حين يستبدل الإرهـ.ـاب بالمخـ.ـدرات: كيف يُعاد تشكيل الوعي العام؟
الإثنين - 13 يوليو 2026 - 12:17 ص
صوت العاصمة/ بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج
في القضايا الكبرى، لا تكون المعركة على الوقائع وحدها، بل على كيفية تقديم الوقائع للرأي العام. فاللغة ليست مجرد أداة لنقل الأخبار، وإنما وسيلة لإعادة تشكيل الإدراك الجماعي، وتوجيه النقاش نحو زوايا معينة وإبعاده عن أخرى. ومن هنا، فإن ما رافق الجدل حول صفقة تبادل الأسرى الأخيرة يستحق قراءة تتجاوز ظاهر الخبر إلى البنية الخطابية التي أُدير بها النقاش.
لقد انصبّ جانب من الجدل، وفق ما تم تداوله، على أن الصفقة شملت محكومين في قضايا إرهابية، بينهم مدانون بعمليات تفجير داخل المدن واستهداف المدنيين، وهي جرائم لا تُصنف باعتبارها مجرد مخالفات جنائية، بل تمثل اعتداءً مباشرًا على أمن المجتمع والدولة، وتخضع في كثير من الأحيان لتوصيفات قانونية ذات امتداد إقليمي ودولي.
لكن اللافت أن مسار النقاش بدأ يتحول تدريجيًا من الحديث عن الإرهاب إلى الحديث عن المخدرات، وبرزت كتابات ركزت على وجود محكومين في قضايا اتجار أو ترويج للمخدرات ضمن الصفقة، حتى بدا وكأن القضية الأساسية أصبحت المخدرات، لا الإرهاب.
وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام مجرد إضافة معلومات، أم أمام إعادة صياغة لموضوع النقاش؟
في علم الاتصال السياسي، تُعرف هذه الظاهرة بـ"إعادة التأطير" (Reframing)، أي نقل مركز الاهتمام من قضية ذات أثر سياسي وأمني بالغ إلى قضية أخرى أقل تأثيرًا في الوعي الجمعي. فالإرهاب يحمل في الذاكرة المجتمعية صور التفجيرات والاغتيالات والضحايا والخوف الجماعي، بينما تُنظر إلى المخدرات – رغم خطورتها – بوصفها جريمة جنائية تختلف في طبيعتها وآثارها.
وهذا لا يعني التقليل من خطر المخدرات، فهي آفة تهدد الشباب وتستنزف المجتمعات، لكن الفارق بين الجريمتين يبقى جوهريًا.
فالمحكوم بقضية مخدرات يُدان عادةً بجريمة جنائية تستهدف المجتمع من الناحية الصحية والاجتماعية والاقتصادية، أما المحكوم بقضية إرهابية فيُدان بجريمة تستهدف أمن الدولة واستقرارها، وتقوم غالبًا على استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية أو عقائدية، وهو ما يجعل آثارها تتجاوز الحدود الوطنية إلى البعد الإقليمي والدولي.
لذلك، فإن استبدال الحديث عن الإرهاب بالحديث عن المخدرات قد يؤدي – سواء كان ذلك بقصد أو بغير قصد – إلى تخفيف حدة الجدل، وإضعاف التركيز على القضية الأكثر حساسية، وهي: هل شملت الصفقة بالفعل أشخاصًا مدانين بجرائم إرهابية؟
هذا السؤال هو جوهر القضية، لأنه إذا ثبتت صحته، فإنه يثير نقاشًا قانونيًا وسياسيًا وأخلاقيًا حول معايير إدراج المحكومين ضمن صفقات التبادل، وحول العلاقة بين مقتضيات التسوية السياسية واحترام الأحكام القضائية.
أما إذا انصرف النقاش بالكامل إلى المخدرات، فإن الرأي العام قد يجد نفسه يناقش قضية مختلفة عن القضية الأصلية، وهو ما يُعد أحد أكثر أساليب إدارة الخطاب تأثيرًا في تشكيل الانطباعات العامة.
إن المجتمعات التي تواجه تحديات أمنية وسياسية تحتاج إلى قدر كبير من الدقة في توصيف الأحداث. فليس من المصلحة الخلط بين الجرائم، ولا المساواة بين أوصافها القانونية، لأن ذلك يربك الوعي العام ويشوّه طبيعة النقاش.
إن المطلوب اليوم ليس تضخيم الوقائع ولا التقليل منها، بل التعامل معها بميزان القانون والشفافية. فإذا كانت هناك أسماء أُدرجت في الصفقة، فمن حق الرأي العام أن يعرف الأساس القانوني لإدراجها، وما إذا كانت تتعلق بأسرى نزاع مسلح أم بمحكومين في قضايا جنائية أو إرهابية، دون إعادة تأطير أو تغيير لموضوع النقاش.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في القضايا الوطنية ليس فقط تبديل الأشخاص، بل تبديل عناوين القضية نفسها. فعندما يتحول مركز النقاش من الإرهاب إلى المخدرات، قد لا يكون ما تغير هو الوقائع، بل الطريقة التي يُراد للناس أن ينظروا بها إلى تلك الوقائع. وهنا يصبح الوعي النقدي ضرورة، حتى لا تتحول إعادة صياغة الخطاب إلى إعادة صياغة للحقيقة في أذهان الناس.