استراتيجية "الصبر الدبلوماسي".. كيف أنهت الجزائر ومالي أزمة 15 شهراً دون ضجيج؟
الأحد - 19 يوليو 2026 - 12:55 ص
صوت العاصمة/ إرم نيوز
فاجأت الجزائر ومالي، بعد 15 شهراً من القطيعة الدبلوماسية والتصعيد الأمني، المراقبين بإعلان متزامن، إعادة سفيريهما وفتح مجاليهما الجويين، من دون مقدمات سياسية أو وساطات معلنة.
وبلغ التوتر بين الدولتين، اللتين تبادلتا الاتهامات، حد إسقاط طائرة مسيّرة عسكرية واشتباك المواقف حول ملفات إقليمية حساسة، عادتا فجأة إلى طاولة التفاهم.
وكشفت مجلة "جون أفريك" كواليس هذا التحول وأسبابه الأمنية والسياسية والاقتصادية، وكيف نجحت الدبلوماسية الجزائرية في إنهاء واحدة من أعقد أزمات الساحل خلال ساعات؟
كيف انفجرت الأزمة؟
بدأ التدهور الحقيقي للعلاقات عام 2023 عندما ألغت باماكو اتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر لعام 2015، قبل أن تشن هجوماً على قادة الحركات الطوارقية في شمال البلاد.
وبلغت الأزمة ذروتها في ليلة 31 مارس/أذار 2025، بعدما أسقط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة مالية قرب منطقة تين زاواتين الحدودية، لتدخل العلاقات مرحلة غير مسبوقة من التوتر.
استراتيجية الجزائر
وبحسب مصدر دبلوماسي جزائري سابق، تحدث لـ"جون أفريك"، لم تتوقف الجزائر طوال الأزمة عن العمل لإعادة التواصل مع باماكو، رغم التصعيد السياسي والإعلامي.
وقال المصدر إن السلطات الجزائرية اختارت عدم الرد على الاتهامات المالية أو التصعيد بالمثل، واعتمدت ما وصفه بـ"استراتيجية الصبر الدبلوماسي"، مع العمل تدريجياً على تعزيز علاقاتها مع بوركينا فاسو والنيجر، بما أدى إلى عزل الموقف المالي ودفعه نحو مراجعة حساباته.
وأضاف المصدر أن هذا النهج ساهم أيضاً في الحد من استفادة الجماعات المسلحة من الانقسامات الإقليمية التي كانت تمنحها هامشاً أوسع للتحرك في منطقة الساحل.
ويرى خبراء، تحدثوا للمجلة، أن المصالحة لم تكن نتيجة تنازلات سياسية بقدر ما فرضتها المصالح المشتركة.
فعلى المستوى الأمني، تتشارك الجزائر ومالي حدوداً تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، ما يجعل استمرار القطيعة تهديداً مباشراً لأمن البلدين في ظل نشاط الجماعات المسلحة بمنطقة الساحل.
أما اقتصادياً، فترى الجزائر أن استعادة الحوار ضرورية لتأمين مشروع الطريق العابر للصحراء، الذي يربط أفريقيا جنوب الصحراء بموانئ البحر المتوسط، ويُعد أحد أهم مشاريعها الاستراتيجية في القارة.
وفي المقابل، دفعت مالي ثمناً اقتصادياً متزايداً نتيجة إغلاق المجال الجوي الجزائري، إذ ارتفعت تكاليف نقل البضائع والمواد الغذائية بالنسبة للدولة غير الساحلية، ما جعل استمرار الأزمة أكثر كلفة من إنهائها.
تسوية "غير نهائية"
ورغم الإعلان عن استئناف العلاقات الدبلوماسية، يحذر المصدران اللذان استند إليهما التقرير من المبالغة في تفسير ما جرى باعتباره تسوية نهائية.
فالقضايا التي فجرت الأزمة، وعلى رأسها مستقبل اتفاق الجزائر لعام 2015، والملفات الأمنية في شمال مالي، لا تزال دون حل، ما يعني أن نجاح المصالحة سيقاس بقدرة الطرفين على تحويل الانفراج السياسي إلى تعاون ميداني مستدام، وليس بمجرد إعادة السفراء وفتح الأجواء.
وتخلص المجلة إلى أن نهاية الأزمة تكشف أن ما جمع الجزائر ومالي لم يكن توافقاً سياسياً كاملاً، بل تقاطعاً في المصالح. فالجزائر فضلت احتواء الخلاف بهدوء حفاظاً على نفوذها في الساحل وأمن حدودها، بينما وجدت مالي أن كلفة القطيعة الأمنية والاقتصادية باتت أعلى من كلفة العودة إلى الحوار.
ومع ذلك، يبقى الانفراج الحالي اختباراً للمرحلة المقبلة، لأن الملفات التي فجرت الأزمة لم تُحسم بعد، ما يجعل استدامة التقارب مرهونة بقدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما بعيداً عن التصعيد الذي طبع الأشهر الخمسة عشر الماضية.