عدن... مدينة الاندماج لا مدينة الأصول
الأحد - 19 يوليو 2026 - 10:31 ص
صوت العاصمة/ كتب/ أحمد ناصر حميدان:
من المؤسف أن يصر بعض الناس على إثارة الفتن في عدن من خلال نبش الأصول والأنساب والعائلات، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بجذوره لا بعطائه. والحقيقة أن من يفكر بهذه العقلية لم يستوعب عدن بعد، لأنه لا يزال أسير ثقافة الأصل والفصل التي حملها معه من بيئته ولم يستطع التحرر منها.
عدن ليست مدينة قبيلة، ولا مدينة عائلة، ولا مدينة سلالة. إنها مدينة بحرية كونية، كانت عبر آلاف السنين ميناءً مفتوحاً للعالم. رست على شواطئها سفن العرب والهنود والأفارقة والفرس وغيرهم، واستقر فيها التجار والبحارة والحرفيون والعلماء، ثم تزاوجوا فيما بينهم، وامتزجت أعراقهم وثقافاتهم، حتى تشكل ذلك النسيج العدني الفريد الذي لا يمكن فصل مكوناته أو ردها إلى أصل واحد.
ولهذا فإن العدني الحقيقي ليس من يدّعي نقاء الأصل، وإنما من اندمج في هوية المدينة، وآمن بقيمها المدنية، واحترم تنوعها، وأسهم في نهضتها. أما من يعيش بين أهلها وهو لا يزال ينظر إلى الناس بمنطق: "من أين أنت؟ ومن أي منطقة؟ ومن أي قبيلة؟" فهو لم يندمج بعد، وما زال يعيش خارج روح عدن، حتى وإن أقام فيها سنوات طويلة.
فالاندماج ليس السكن في عدن، بل تبني ثقافتها. وثقافة عدن قائمة على المواطنة والتعايش والانفتاح واحترام الإنسان، لا على الفرز المناطقي ولا التمييز بالأصل والنسب.
ولو فتشنا في تاريخ عدن لوجدنا أن من صنع نهضتها لم تجمعهم قبيلة واحدة ولا منطقة واحدة، بل جمعهم حب عدن. منهم المعلم والطبيب والمهندس والتاجر والفنان والأديب ورجل الإدارة، قدموا لهذه المدينة عصارة علمهم وجهدهم، فأصبحوا جزءاً من تاريخها، مهما كانت جذور آبائهم أو أجدادهم.
اكتشاف المزيد
صُحف
أخبار محلية
مراجع جغرافية
سياسة
هيئات تنفيذية
أما الذين يحاولون اليوم إعادة المجتمع إلى سؤال الأصل والفصل، فإنهم لا يخدمون عدن، بل يزرعون فيها ما لم تعرفه من قبل. فهذه المدينة لم تكن يوماً قائمة على نقاء الأعراق، وإنما على اندماج الأعراق، ولم تبن مجدها بالانغلاق، بل بالانفتاح.
اتركوا عدن لأهلها الحقيقيين... أهل التعايش والمحبة والعمل. ولا تفتحوا جراحاً مناطقية لا تخدم إلا دعاة الفتنة. فالتاريخ سيبقى شاهداً على أن عدن انتصرت دائماً لمن احتضنها وخدمها، لا لمن سأل الناس عن أصولهم، بل لمن سأل: ماذا قدمتم لعدن؟