تقارير



حضرموت ماقبل ديسمبر؟؟!

الإثنين - 20 يوليو 2026 - 12:30 ص

حضرموت ماقبل ديسمبر؟؟!

صوت العاصمة/ حضرموت



​دعونا نرجع قليلاً إلى الوراء، لنتذكر ما كنا عليه، وما كان عليه حال حضرموت في الجانب الأمني ما بعد أحداث دخول تنظيم القاعدة الإرهابي إلى ساحل حضرموت، وما قبل أحداث ديسمبر، إن قراءة الحاضر لا تستقيم دون تفكيك الماضي القريب، وفهم كيف تحولت الأرض إلى ساحة صراع بين مشروعين: مشروع تثبيت الأمن ومحاربة الإرهاب، ومشروع الإبقاء على الفوضى وتدوير الأدوات المشبوهة.

لقد مرت حضرموت بمحطات مفصلية، حملت معها تحديات كبيرة، كما حملت نماذج متباينة في إدارة الملف الأمني، وهو ما يجعل من الضروري التوقف أمام تلك المراحل، ومقارنتها بموضوعية، واستعراض ما يتداوله الشارع الحضرمي حولها.

`ساحل حضرموت: ولادة النخبة وصناعة النموذج الإعجازي`

الكل يعرف جيداً وبأدق التفاصيل، عندما سيطر تنظيم القاعدة على ساحل حضرموت في عام 2015م، بتواطؤ وتسهيل فاضح من قوات الجيش اليمني _قوات المنطقة العسكرية الثانية سابقاً_ التابع لمنظومة الاحتلال اليمني آنذاك، والتي انسحبت وسلمت المكلا على طبق من ذهب للعناصر المتطرفة في تنظيم القاعدة.

​من رحم المعاناة والتهديد الوجودي للهوية الحضرمية، تأسست القوة العسكرية الفتية: قوات النخبة الحضرمية، بقياداتها الحضرمية الخالصة وبدعم سخي ومباشر، عسكرياً ولوجستياً وميدانياً، من دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تولت هذه القوة الفتية معركة الكرامة وتحرير مدينة المكلا ومناطق الساحل.

​ورغم أن مرحلة ما بعد التحرير مباشرة شهدت حالة من القلق والتوتر الأمني الطبيعي نتيجة تركة الإرهاب الثقيلة، إلا أنه وبفضل الجهود الأسطورية لقوات النخبة، وبإشراف ودعم مستمر من دولة الإمارات العربية المتحدة وحرصها الصارم على أمن المواطن وعقيدته العسكرية المحترفة، استتب الأمن تدريجياً، شيئاً فشيئاً، وتكللت هذه الجهود ببناء منظومة أمنية متكاملة، ونموذج رائع اتفق الجميع ـ محلياً ودولياً ـ على أنه أفضل نموذج أمني شهدته اليمن بشكل عام طوال كل الفترات التي تلت الوحدة المشؤومة؛ نموذج خالٍ من السلاح المنفلت، مطهر من بؤر الإرهاب، ومبني على دولة النظام والقانون.

`وادي حضرموت: وكر الفوضى وتواطؤ المنطقة العسكرية الأولى`

​على النقيض تماماً، كان وادي حضرموت يرزح تحت وطأة احتلال عسكري تقوده قوات المنطقة العسكرية الأولى؛ هذه القوات التي ينتمي جل أفرادها وضباطها ومقادمتها إلى مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، والتي لا تختلف في عقيدتها العدائية لحضرموت عن القوات التي سلمت الساحل للقاعدة في 2015، حيث ​عاش الوادي في ظل هذه القوات فراغاً أمنياً متعمداً ومخيفاً، تجسد في: ​مسلسل اغتيالات يومي لا يتوقف، و​نشاط علني لخطوط تهريب السلاح والمخدرات اضافه الى ​بلطجة عسكرية، وانفلات أمني، وتقويض كامل للسكينة العامة.

​وما بعد تحرير المكلا، ظهرت عمليات اغتيال ممنهجة استهدفت كفاءات حضرموت وضباط وجنود النخبة الحضرمية في الوادي من قبل عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي وعناصر إجرامية متطرفة، ولعل الشاهد الأكبر على هذا التواطؤ هو المجرم المدعو (قابوس بن طالب)، الذي أقدم بمفرده على تصفية وقتل أكثر من 84 جندياً ومواطناً من خيرة أبناء حضرموت، وكان يتحرك بحرية كاملة وبتواطؤ وحماية مشهودة من المنطقة العسكرية الأولى، وسط اتهامات رسمية وشعبية مؤكدة بوجود روابط وثيقة بينه وبين تلك القوات.

`المخرج السعودي: التمكين للفشل وإجهاض صوت الشعب`

​رغم أن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية أسس مقراً له في قلب وادي حضرموت، وبالتحديد وسط معسكر المنطقة العسكرية الأولى بسيئون، وبوجود قوات وعناصر سعودية مباشرة، ورغم الحديث السياسي بأن القرار في الوادي أصبح تحت تصرف وإشراف قيادة السعودية بالكامل، إلا أن الواقع كان صادماً: لم تقدم السعودية أي نموذج يذكر في الأمن والاستقرار طوال هذه السنين، ​بل على العكس، توسعت رقعة الاغتيالات، ونمت الثارات القبيلة برعاية خفية، ونشطت خطوط التهريب، ووصل الأمر إلى إدانات وتأكيدات عبر مواقع وتقارير استخباراتية عالمية تتهم قوات المنطقة العسكرية الأولى بتسهيل وتيسير مرور السلاح المهرب من المهرة وعبر الوادي وصولاً إلى مليشيات الحوثي في صنعاء! وتزايدت المضايقات والبلطجة والاعتداءات والاعتقالات التعسفية ضد المواطنين الحضارم دون أي مسوغ قانوني.

و​أمام هذا الإرهاب الممنهج من قبل قوات المنطقة العسكرية الاولى بوادي حضرموت التي تقودها المملكة العربية السعودية، ارتفع صوت أبناء وادي حضرموت في مسيرات مليونية هادرة امتدت لسنوات، تطالب برحيل قوات المنطقة الأولى وإحلال قوات النخبة الحضرمية مكانها وتطهير كامل تراب الوادي، لكن هذا الصوت الصادق ظل يُقابل بصمم متعمد من المخرج السعودي ليبقى الحال على ما هو عليه طيله سنوات عديدة.

`درع الوطن" والمخطط الخبيث لضرب الساحل`

​في عام 2023م، شكلت السعودية قوات ما تسمى "درع الوطن" حيث رحب بها أبناء حضرموت في البداية على أمل وطني أن تحل محل جحافل المنطقة العسكرية الأولى، لكن سنتين من تأسيسها كانت كافية لكشف المستور: المخرج السعودي لم يكن يريد إزاحة المحتل الشمالي، بل أراد إبقاء الوضع المتدهور على ما هو عليه.

​ولم يقف الأمر عند الوادي، بل امتدت المؤامرة لمحاولة انتزاع الأمن المستقر في ساحل حضرموت، وفي محاولة مكشوفة، جرى الدفع بإرسال لواء من هذه القوات إلى الساحل بهدف خلخلة المنظومة الأمنية هناك، تحت ذرائع واهية، رغم أن الساحل كان يعيش في اسمى معاني الامن والامان آنذاك، إلا أن حنكة ويقظة قيادة المنطقة العسكرية الثانية وقيادة قوات النخبة الحضرمية أفشلت هذا المخطط الخبيث الذي كان يهدف لإدخال قوات موازية وموالية لأجندات خارجية سعودية لزعزعة الاستقرار بساحل حضرموت، ​وعندما فشل هذا المخطط، تحرك المخرج السعودي عبر أدواته القبلية لتنشيط خلايا تحت ذريعة "حقوق حضرموت"، وقام بتأسيس قوة موازية مشبوهة في الساحل سماها "حماية حضرموت"؛ كل هذا لإفشال النموذج الأمني الناجح للنخبة الحضرمية، ​وفي المقابل ارتد هذا الفشل في الوادي على صناعه، فشهدت مدينة سيئون الحادثة الشهيرة مساءً بقلب المعسكر المحصن، حيث تم اغتيال ضابطين من القوات السعودية برصاص أحد أفراد المنطقة العسكرية الأولى إثر خلافات داخلية، في دليل قاطع على أن تلك القوات لا تؤمن أحداً، بل إن المخرج لم يبالِ حتى بدمائه؛ لأن هدفه الأساسي ليس تثبيت الأمن، بل إجهاض وإفشال النموذج الأمني الإماراتي الناجح في ساحل حضرموت.

`ديسمبر: "شهر العسل" القصير وتلبية نداء الواجب`

​وعندما طفح كيل المواطن الحضرمي من استمرار مسلسل الدماء، ناشد قواته المسلحة الجنوبية وقوات النخبة الحضرمية بالتدخل وإنقاذ الوادي عبر مليونية حاشدة شهدها شارع الستين بسيئون فوض فيه القوات الجنوبية بالتدهل العاجل وبالفعل، لبت القوات الجنوبية الباسلة النداء، واندفعت وحررت وادي حضرموت بعملية خاطفة بمساندة شعبية عارمة.

​هنا، طار النوم من عيون المخرج وأدواته، فلم يهنأ له بال لأن الأمن الحقيقي والاستقرار ومحاربة الإرهاب لا تخدم مصالحه، وخلال شهر واحد (شهر ديسمبر)، تحركت كل أدواته المرتزقة تحت ذريعة حماية المواطنين، واستخدمت الضغوط السياسية والعسكرية القصوى لإخراج القوات الجنوبية والنخبة من الوادي.

ف​يا له من تناقض مخزٍ! من المخرج وادواته سنوات والمواطن يقتل ويغتال ويطالب بإخراج المنطقة الأولى ولم يستجيبوا له، وعندما حرر الأبطال الوادي تحركت الرياض بكل ثقلها ومرتزقتها، وأمرت قوات الطواري الخاضعة مناطقهم تحت سيطرة الحوثي بالدخول إلى حضرموت مستترة باسم "درع الوطن"، لإخراج القوات الجنوبية والنخبة، بهدف إسقاط حضرموت مجدداً في الفوضى.

​والعجيب أنهم برروا هذا التحرك بحماية المواطن! فأين كانت هذه الحماية طوال سنوات الإرهاب؟ بل إن وزير الدفاع الحالي نفسه اعترف في تسجيل فيديو موثق بأن قوات المنطقة العسكرية الأولى تحتوي وتضم عناصر إرهابية صريحة!

اما ​خلال ذلك الشهر الفريد (ديسمبر)، عاش أبناء وادي وساحل حضرموت أفضل أيام الأمن والأمان والطمأنينة، حتى انهم أطلقوا عليه "شهر العسل"، حيث اختفت الاغتيالات تماماً، واستتب الأمن، وبدأت القوات الجنوبية فوراً بمداهمة أوكار تنظيم القاعدة الإرهابي، وقطع خطوط التهريب، ومنع حمل السلاح في المدن والقرى و شعر المواطن الحضرمي لأول مرة بأنه جزء من المنظومة الأمنية والخط الأول للدفاع عنها.

`​مكيدة تكتم "المخرج".. إعدام (قابوس) ودفن الصندوق الأسود`

​ولنعد قليلاً إلى الوراء، لنسلط الضوء على فصول مسرحية التواطؤ والتكتم التي أحاطت بالمجرم الإرهابي (قابوس بن طالب)؛ فهذا السفاح الذي سفك دماء خيرة رجال حضرموت، لم يكن ليفلت من قبضة العدالة لولا تدخل الإرادة الإقليمية الساعية لخلخلة الأمن، فقد نفذت دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال السنوات الماضية، عملية استخباراتية نوعية وحملة مفاجئة وخاطفة تكللت بالقبض على هذا الإرهابي في عمق وادي حضرموت، لكن المخرج السعودي سارع ـ على الفور وبشكل مريب ـ للتدخل وانتزاعه والتحفظ عليه، ثم نقله سريعاً إلى الأراضي السعودية؛ حارماً القضاء الحضرمي من بسط اختصاصه، وحارماً أبناء الأرض من محاكمته علناً وتنفيذ حكم القصاص العادل بحقه ميدانياً في الساحات التي شهدت جرائمه البشعة.

​ومضت الأيام والسنوات دون أن نسمع عن أي إجراءات تقاضٍ أو محاكمة شرعية وقانونية علنية، رغم أن علانية القضاء هي الأصل الثابت والمبدأ الأصيل الذي تنص عليه كافة القوانين والتشريعات؛ إذ آثر "المخرج" التكتم المطلق عليه وإبقاءه في غياهب الحجز والتعتيم، والغريب في الأمر، أنه ما إن فرضت القوات المسلحة الجنوبية سيطرتها الكاملة على تراب الجنوب، حتى سارع المخرج السعودي بالإعلان عن تنفيذ حكم الإعدام بحق هذا القاتل! وهي خطوة تفتح الباب على مصراعيه لأسئلة مشروعة وحارقة: كيف ومتى تمت هذه المحاكمة إن كانت قد تمت أصلاً؟ وأين هي حقوق أولياء الدم من ضباط وجنود النخبة الحضرمية والمواطنين الذين اغتالهم؟ أليس من حق أولئك الضحايا وعائلاتهم المكلومة ومجتمعهم الحضرمي أن يمثل هذا السفاح أمام جهات الاختصاص المحلية وينال جزاءه تحت شعاع الشمس؟ إن إعدام قابوس بن طالب بتلك الطريقة الغامضة وخلف الستار لم يكن مجرد قصاص، بل كان قراراً متعمداً لدفن "الصندوق الأسود" للإرهاب في الوادي، وإغلاق ملف الأسرار والحقائق التي كادت أن تفضح المتواطئين والجهات التي سهلت له القتل لسنوات عديدة، ليظل لغز التواطؤ مدفوناً مع من أعدمه.

`واقع اليوم: عودة الإرهاب وانهيار المنظومة الامنية`

​أما اليوم، فالمشهد يبكي دماً، ومن أجل حفظ ماء الوجه في البداية، بدأت القوات المسماة بالطوارئ ودرع الوطن بفرض أمر واقع من خلال منع السلاح، لكنه كان إجراءً تجميلياً لم يدم طويلاً، ​وسرعان ما عادت الفوضى العارمة: ​عاد حمل السلاح علناً في الشوارع و​عادت الاغتيالات والتصفيات لتهز مدن الوادي والساحل مجدداً واخرها حادثة محاولة اغتيال الشيخ الصلاحي بمديرية العبر واغتيال الجنود والغدر بهم في مديرية رماه، ايضاً استمر ​قمع الحريات، واعتُقل الناشطون السلميون وما حدث ويحدث في الساحل والوادي خير برهان على هذه الانتكاسة الامنية التي يقودها المخرج السعودي، اما العناصر الإرهابية عادت لنشاطها علناً وباعتراف رسمي وصادم من محافظ حضرموت وعضو المجلس الرئاسي (الخمبشي) عندما تحدث عن الخلية التي اغتالت الصحفي محمد عيضه، و أقر بعودة الانفلات الإرهابي، اما خطوط التهريب ​انتعشت مجدداً، ونشطت خلايا تنظيم القاعدة، وتماهت معها التحركات الحوثية بتسهيل مباشر من القوات الحاكمة حالياً للوادي.

`حرب الشائعات وفبركات "الذباب": محاولات يائسة لتجريم الإمارات وتبرئة الجلاد`

​ولم يقتصر عداء المخرج السعودي لنموذج الأمن في الساحل على التحركات العسكرية المشبوهة، بل أطلق العنان لمنظومته الإعلامية و"ذبابه الإلكتروني" في حملة مسعورة وممنهجة لتجريم دولة الإمارات العربية المتحدة، وتوجيه اتهامات باطلة بجرائم لم ترتكبها؛ كل ذلك في محاولة مكشوفة لغسل سمعة أدواته، وتبرية أفعال المخرج وتغطية المجازر والاغتيالات والانتهاكات الصارخة التي ارتكبتها قواته في الوادي.
​لقد أشبَعَ هذا الذباب المأجور الفضاء الإلكتروني ضجيجاً وحديثاً مفبركاً عما أسماها "السجون السرية" و"المعتقلات خارج القانون" في الساحل، ولكن الأيام كشفت حجم الكذب والزيف؛ فحين فرضت تلك القوات الموالية للمخرج سيطرتها على المعسكرات والمواقع لترسيخ أمرها الواقع، وبقيت فيها لفترات طويلة، لم يجدوا فيها سجيناً واحداً، ولا معتقلاً سرياً واحداً من تلك الأكاذيب التي افتعلوها! ولو كان حديثهم يحمل ذرة من الحقيقة، لكانوا قد أفصحوا عن تلك السجون مباشرة بالصوت والصورة أمام العالم ليدينوا النخبة والإمارات، لكن سراب إفكهم تبخر أمام حقيقة النزاهة والالتزام بالقانون.

​ولم تتوقف الوقاحة الإعلامية عند هذا الحد، بل بلغت ذروتها بفبركة اتهامات باطلة، ونشر مقاطع فيديو مزورة ومقصوصة من سياقها، تزعم زوراً وبهتاناً أن "الهلال الأحمر الإماراتي" ـ الذراع الإنساني الذي بلسم جراح الحضارم ـ يقوم بنقل وتمويل السلاح! وهي فيديوهات قديمة، ومفبركة، ومستهلكة، جرى تدويرها بائساً لشيطنة العمل الإنساني. إن هذه الفبركات الرخيصة لم تكن إلا محاولة بائسة لخلط الأوراق، وحجب أشعة الشمس بغربال التضليل، بعد أن عجز المخرج وأدواته عن تقديم نموذج أمني أو إنساني واحد يشرف أبناء حضرموت، فكان سلاحهم الوحيد هو التزوير المفضوح الذي ارتد في النهاية ليفضح صانعيه.

`مقارنة وجودية: شتان بين الثرى والثريا.. نموذج البناء الإماراتي ونموذج الفوضى السعودي`

​حين نضع الوجود الإماراتي والوجود السعودي في كفتي ميزان التقييم بداخل حضرموت، نجد أنفسنا أمام مشروعين متناقضين تماماً في العقيدة، والهدف، والنتيجة؛ شتان بين نموذج جاء ليحارب الإرهاب ويثبت الأمن بأيدي أبناء الأرض، ونموذجٍ أصرّ على الاستثمار في الفوضى وتدوير أدوات الاحتلال والبلطجة.

​فمن جهة، يتجلى النموذج الإماراتي في ساحل حضرموت كعنوان للمؤسسية والنجاح الإعجازي، حيث ركزت دولة الإمارات على استراتيجية واضحة متمثلة في تمكين الحَضارم من إدارة شؤونهم العسكرية والأمنية بأنفسهم، فأسست ودعمت "قوات النخبة الحضرمية" تأسيساً احترافياً مبنياً على عقيدة وطنية خالصة، وكانت النتيجة الملموسة هي خوض معركة حقيقية لا هوادة فيها ضد الإرهاب، اقتلعت تنظيم القاعدة من جذوره في الساحل، وقضت على خطوط التهريب، وفرضت هيبة القانون ومنعت حمل السلاح والبلطجة والسطو، ليصبح الساحل واحة من الطمأنينة وأفضل نموذج أمني يشار إليه بالبنان على مستوى البلاد كاملة.

​وعلى الضفة الأخرى، يقف النموذج السعودي في وادي حضرموت شاهداً على الفشل المتعمد وإدارة الأزمات لا حلها.

فرغم الهيمنة السياسية الكاملة للمخرج السعودي على قرار الوادي ووجود قواته بقلب معسكر سيئون، إلا أنه لم يقدم للمواطن سوى التمكين لقوات عسكرية احتلالية (المنطقة الأولى)؛ وهي قوات لا تنتمي للحضارم بولاء أو عقيدة، بل يرتبط جل أفرادها بمناطق سيطرة الحوثي، وتجسد هذا النموذج في الإبقاء على الوادي كبؤرة مفتوحة للاغتيالات والتصفيات اليومية، وممر آمن لتهريب السلاح للمليشيات الحوثية، وتوفير مظلة لحماية عناصر الإرهاب، وصولاً إلى العجز عن حماية ضباطه السعوديين الذين تم اغتيالهم داخل معسكرهم.

​إن الفارق الجوهري بين النموذجين يكمن في المخرجات الأمنية على الأرض؛ فبينما ترك النموذج الإماراتي وراءه منظومة دفاعية وأمنية صلبة ووعياً مجتمعياً يرفض الجريمة والتطرف، خلّف النموذج السعودي وسعيه لفرض قوات "درع الوطن" انتكاسة أمنية مخيفة، أعادت لمدن الوادي والساحل على حد سواء مظاهر الانفلات، وعودة حمل السلاح، ونشاط خلايا القاعدة، وقمع الحريات السلمية، في محاولة يائسة وبائسة لإفشال النجاح الذي تحقق، وتأكيداً على أن المخرج لا يريد لحضرموت أن تنعم بأي أمن أو استقرار حقيقي.

​إن القراءة الفاحصة والمقارنة المنصفة بين ما كان وما آل إليه الحال في حضرموت، تضع الجميع أمام حقيقة دامغة لا تقبل المواربة أو التزييف: إن أمن حضرموت واستقرارها لم ولن يكون يوماً سلعة في سوق الحسابات الإقليمية للمخرج السعودي، ولا ورقة مقايضة بيد أدواته ومرتزقته، ولقد كشفت أحداث "ديسمبر" وما تلاها من مؤامرات التفافية، الخيط الرفيع بين من جاء بصدق ليقتلع الإرهاب ويسند حضرموت بأيدي أبنائها كما فعلت دولة الإمارات، وبين من يصر على إبقاء هذه الأرض الطاهرة ساحة مستباحة للفوضى، والاغتيالات، وتهريب السلاح لمليشيات الحوثي.

​إن التضحيات الجسيمة التي قدمها أبطال القوات المسلحة الجنوبية وقوات النخبة الحضرمية، ودماء الشهداء التي سُفكت في ميادين الشرف ومحاربة الإرهاب، ليست للمساومة. وأي محاولة اليوم لفرض مشاريع مشبوهة أو تمكين أدوات الإرهاب تحت مسميات واهية مثل "درع الوطن"، هي محاولات ولدت ميتة أمام وعي المواطن الحضرمي الذي ذاق طعم الأمن الحقيقي، ولن يرضى بعد اليوم بعودة زمن الانفلات.

و​إن رسالة أبناء حضرموت اليوم إلى المخرج وأدواته واضحة وصريحة: إن عهد الوصاية وتدوير الإرهاب قد ولى إلى غير رجعة، وأن تطهير كامل تراب حضرموت ـ واديها وساحلها ـ وإحلال قوات النخبة والقوات الجنوبية في كل شبر منها، هو قرار سيادي ومطلب وجودي لا تراجع عنه، فالحقوق تُنتزع ولا تُوهب، والأرض لا يحميها إلا أهلها.



الأكثر زيارة


وداعاً شهداء الصبيحة... دماؤكم بداية طريق الحق والعدالة.

الأحد/19/يوليو/2026 - 04:50 م

انطلقت اليوم مواكب التشييع المهيبة لشهداء الوطن الخمسة من أبناء الصبيحة، الذين ارتقوا في العملية الغادرة التي استهدفت قوات درع الوطن في محافظة حضرموت.


ناشط حقوقي: رئيس مجلس القيادة هو من وجّه بإدراج قتـ.ـلة الشه.

الإثنين/20/يوليو/2026 - 01:46 ص

كشف الناشط الحقوقي رئيس مؤسسة الراصد، أنيس الشريك عن، مصير المتهمين باغتيال القائد ثابت جواس.. ومن وجّه بإدراجهم ضمن قائمة تبادل الأسرى مع الحوثيين. و


إسبانيا تصعق الأرجنتين وتتوج بلقب كأس العالم 2026 .

الإثنين/20/يوليو/2026 - 01:10 ص

توج منتخب إسبانيا بلقب كأس العالم 2026 بفوز مثير على حساب منافسه الأرجنتين بنتيجة 1-0 في المباراة النهائية التي استمرت 120 دقيقة. سجل المنتخب الإسباني


بيان هام صادر عن المركز الإعلامي لجبهة الضالع بشأن ما يتم تد.

الأحد/19/يوليو/2026 - 09:14 م

تابعت قيادة وجنود جبهة الضالع الصامدة، عبر مركزها الإعلامي، الأنباء والتسريبات المتداولة حول محاولات المساس بهوية وشعار القوات المسلحة الجنوبية. إننا