مداد العاصمة



ارتهان الهوية وانحدار الرمزية: قراءة في الشعار الجديد لـ "القوات المسلحة الجنوبية" ودلالات التبعية السياسية

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - 12:54 ص

ارتهان الهوية وانحدار الرمزية: قراءة في الشعار الجديد لـ "القوات المسلحة الجنوبية" ودلالات التبعية السياسية

صوت العاصمة/ كتب / أبو ليث الحُميدي


في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات والجدل المحموم في الأوساط السياسية والعسكرية، أقدمت القيادة الجنوبية الموالية لسعودية و شرعية الفنادق على خطوة غير محسوبة بتغيير الهوية البصرية وشعار "القوات المسلحة الجنوبية".

هذا التحول البصري المفاجئ لم يكن مجرد تعديل فني عابر أو رغبة في التحديث، بل جاء كإعلان صريح عن مرحلة جديدة من تجريف الهوية الوطنية وتطويع الرموز التاريخية لتتماشى مع إملاءات النظام السعودي، كاشفاً بوضوح عن حجم الارتهان والتبعية في غرف القرار السرابية، ومدى استعداد هذه القيادات للتنازل عن الإرث الرمزي مقابل البقاء في المشهد.

*تفكيك البنية البصرية: من هيبة المؤسسة إلى عقلية الفصيل*
عند وضع الشعارين في كفة المقارنة والتحليل الفني والسياسي، يتضح حجم الانحدار الرمزي الذي أصاب الهوية البصرية الجديدة، وكيف تحول المفهوم من بناء جيش نظامي إلى شرعنة سلوك الجماعات المسلحة:
- *الشعار الأصلي (الأزرق الكلاسيكي):* كان يستند بوضوح إلى أدبيات العمل العسكري النظامي الصارم؛ حيث يتوسطه "صقر" كرمز تاريخي متعارف عليه للسيادة والدولة في المنطقة العربية، ويحمل على صدره علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة (بالمثلث الأزرق والنجمة الحمراء). كما كان محاطاً برموز القوات الثلاث التقليدية (البرية ممثلة بالبندقية، البحرية بالمخطاف، والجوية بالأجنحة). لقد كان تصميماً رصيناً يحاول محاكاة إرث الجيوش النظامية ويخاطب الوجدان الجمعي الجنوبي بوصفه امتداداً لمؤسسة دولة سابقة لها هيبتها الدولية.
- *الشعار المستحدث (الأخضر الدائري):* جاء معبراً عن حالة صارخة من الفوضى البصرية والتكدس الرمزي؛ حيث عُزلت الرموز السيادية والتاريخية (العلم والنسر) وتم تقزيمها إلى أدنى حد ممكن في أعلى الدرع كإجراء هامشي إسقاطي واجب، مقابل تضخيم عناصر مستعارة وهابطة فنيّاً تفتقر إلى التناسق وتضرب الخصوصية الوطنية في مقتل، لتصنع مساحة بصرية مشوهة لا تعبر عن هوية الأرض ولا عن عقيدة الجيش.

*السقوط الفني: "الجندي والـ RPG" وتكريس مظهر الميليشيا*
يتركز النقد الفني والمهني اللاذع للشعار الجديد في تلك السقطة البدائية المتمثلة في وضع صورة ظلية(Silhouette) لجندي في وضعية القرفصاء وهو يصوب قاذف "آر بي جي".
إن الأعراف العسكرية الدولية وقواعد الهيرالدي (Heraldry) للجيوش النظامية تحظر بشكل قاطع استخدام الرسوم التوضيحية المباشرة أو الصور الفوتوغرافية والظلية للعمليات القتالية الميدانية في الشعارات الرسمية للدول، وتستعيض عنها دائماً برمزية تجريدية موحدة وثابتة (كالسيوف، الدروع، السنابل، أو الطيور الكاسرة) التي تعبر عن قيم الاستدامة، حماية القانون، والدفاع الاستراتيجي.

إن إقحام جندي حافي الملامح يحمل قاذف كتف يحوّل المؤسسة -بصرياً- من "جيش دولة" مفترض إلى ما يشبه ملصقاً تعبوياً مؤقتاً لفصيل مسلح، أو شعاراً لجماعة حرب عصابات تفتقر للتنظيم المؤسسي. هذا الاختيار الفني الهابط ينسف كل ادعاءات الاحترافية والتنظيم، ويوثق بصرياً النظرة الدونية لهذه القوات باعتبارها مجرد "أدوات وظيفية" قتالية وليست نواة لجيش وطني حقيقي.
*مفارقة التبعية: ارتهانٌ لجلّاد الأمس*
إن الطامة الكبرى في هذا التحول البصري لا تقف عند حدود الركاكة الفنية فحسب، بل تتعداها إلى مفارقة سياسية وأخلاقية شديدة الغرابة؛ *فمن المحال تاريخياً ومنطقياً أن تقبل أي قوات مسلحة تحترم تضحياتها التبعية المطلقة لدولةٍ قصفتها بالطيران ومارست ضدها وضد كوادرها كل أنواع التنكيل والقذارة السياسية.*

إن هذا الاستنساخ الفاضح لهوية المحور السعودي يأتي في وقتٍ لم تجف فيه بعد دماء منتسبي هذه القوات الذين استهدفتهم طائرات التحالف بغاراتها، وعملت على تفكيك منظومتهم، وهيكلتها، وتمزيق نسيجها العسكري طوال الأشهر الماضية بهدف واضح وهو طمس تاريخهم العسكري العريق وتحويلهم إلى مجرد بندقية للإيجار. إن تبني رموز هذا "الجلاد" في الشعار الجديد ليس مجرد ارتهان سياسي، بل هو إهانة مباشرة لتضحيات المقاتلين على الأرض، وتواطؤ علني من قِبل "قيادة البناكس" لإعادة إنتاج أدواتها في قالب تابع ومطيع فاقد لأي كرامة مؤسسية.

*الاستنساخ السياسي: التماهي الكامل مع المحور السعودي*
لم يكن الشعار الجديد مجرد زلة فنية من مصمم هاوٍ أو سقطة عابرة للجنة الاختيار، بل جاء تجسيداً بصرياً فجاً، وشهادة مكتوبة بمداد التبعية السياسية لـ"لشرعية الفنادق" والقيادات المرتهنة لنظام السعودي؛ حيث بدا الشعار بأكمله وكأنه اقتباس ونسخ مباشر من الرموز السيادية والمذهبية للمملكة العربية السعودية:
- *السيفان واللون الأخضر الطاغي:* يرتبط دمج السيوف العربية المتقاطعة باللون الأخضر العشبي الداكن حصرياً بالهوية الرسمية والشعار الوطني للمملكة العربية السعودية. إن اعتماد هذه الدرجة اللونية بالذات وهذا التوزيع الرمزي المتطابق يسلب القوات المحلية خصوصيتها الجغرافية والتاريخية، ويجعل الشعار يبدو وكأنه فرع مصلحي أو امتداد بصري تابع لقوة خارجية تدير المشهد من وراء الستار، لطمس أي ملامح تدل على استقلالية القرار الجنوبي.
- *إقحام عبارة "الله أكبر":* تميز التاريخ العسكري لجنوب اليمن طوال عقود بطابعه المدني والمؤسسي الصارم البعيد كل البعد عن تسييس الدين أو إقحام الشعارات العقائدية في صلب الرموز العسكرية الرسمية. إن إقحام هذه العبارة بخط الثلث لا يحاكي فقط نمط الخط القرآني وتوزيع العبارات على العلم السعودي، بل يمثل تحولاً خطيراً ومقصوداً في عقيدة الجيش؛ من "عقيدة وطنية" مرتبطة بالدين والأرض والحدود والقانون، إلى "عقيدة شعاراتية تعبوية" تستخدمها الفصائل الدينية وعصابات الحرب عادةً لاستجداء العواطف، أو لإرضاء الممولين الإقليميين ذوي التوجهات المحافظة لتقديم صكوك الولاء والطاعة.

إن تغيير الشعار بهذا الأسلوب الركيك والمستنسخ يسقط كل أقنعة الاستقلالية ويدحض تماماً شعارات امتلاك القرار الوطني التي تتبجح بها قيادات الفنادق. فمن لا يملك قرار سيادته على الأرض، ولا يستطيع حماية حدود قراره السياسي، لن يملك بطبيعة الحال القدرة على صون رموزه وتاريخه العسكري. لقد جاء الشعار الجديد ليعلن للملأ حقيقة واضحة كالشمس: لقد تم اختزال القضية والتضحيات، ومحو الهوية التاريخية للجنوب، في قالب "فصيل مسلح تابع" يتحرك بالريموت كنترول طبقاً لأهواء الغرف المغلقة وفنادق العواصم الإقليمية، ليتحول الشعار الجديد من رمز فخر إلى وثيقة إدانة تاريخية بالارتهان والتبعية.



الأكثر زيارة


بعد إقرارها رسميًا.. وزارة الخدمة المدنية تكشف تفاصيل وآلية .

الإثنين/20/يوليو/2026 - 07:57 م

أصدرت وزارة الخدمة المدنية والتأمينات في العاصمة المؤقتة عدن تعميمًا رسميًا إلى مدراء عموم مكاتب الوزارة ومدراء الموارد البشرية في وحدات الخدمة العامة


عاجل : الحـوثيون يعلنون عن بيان هام.

الإثنين/20/يوليو/2026 - 02:51 م

أعلن المتحدث الرسمي باسم جماعة الحوثي، العميد يحيى سريع، أن القوات المسلحة التابعة للجماعة ستصدر بيانًا مهمًا عند الساعة الثالثة من عصر اليوم. واقتصر


تحركات غامضة في الضالع.. مسيّرة مجهولة وإخلاء مركز سلفي يثير.

الإثنين/20/يوليو/2026 - 05:42 م

كشفت مصادر محلية متطابقة عن تحركات غير اعتيادية شهدتها مدينة الضالع خلال الساعات الماضية، في ظل مؤشرات أمنية أثارت تساؤلات بشأن احتمال تطورات ميدانية


مأساة قبل الزفاف.. نقل عروس في إب إلى العناية المركزة بسبب ".

الإثنين/20/يوليو/2026 - 03:33 م

نُقلت فتاة من مديرية يريم بمحافظة إب إلى قسم العناية المركزة، بعد إصابتها بتسمم حاد، في واقعة أُرجعت، بحسب مصدر محلي، إلى استخدامها خلطة تسمين مجهولة