عندما يكون الضمير حيًّا، تُهانُ أمامك كلُّ الإغراءات، حفظ الله معالي الوزير محسن الداعري
الخميس - 23 يوليو 2026 - 12:26 ص
صوت العاصمة/ كتب: اكرم العلوي
عند المواقف تعرف معادن الرجال في اللحظات التي يُختبر فيها الرجال لا تسأل عن عدد النياشين على الصدر، ولا عن طول المدة التي قضاها أحدهم على كرسي الوزارة. العظمة تُقاس بكلمة واحدة تُقال في وجه العاصفة، بقرار واحد يفصل بين الحق والباطل. وبعد نكبة حضرموت برز اسم لا يمكن أن يمر في سجل هذا الوطن مرور الكرام: معالي سيادة اللواء الركن محسن الداعري، وزير الدفاع السابق، جاءته اللحظة التي اعتاد عليها كثيرون ممن تدار الحروب عندهم بالأختام لا بالعقول. وُضعت أمامه ورقة وُطلب منه توقيع واحد فقط، توقيع على ضربة بالطيران. توقيع يحفظ له المنصب، ويرضي من بيدهم القرار، ويغلق باب السؤال: لماذا لم تنفذ؟ لكن الرجل الذي سطره التاريخ في مواقف تُكتب بالذهب لم ينظر إلى ذلك كله. لم يفكر في الكرسي الذي قد يخسره، ولا في ردة الفعل التي ستُشن عليه، ولا في الإقامة الجبرية ولا في حملات التشويه، ولا حتى في قرار الإحالة إلى التقاعد الذي جاء لاحقاً كعقوبة على عناده الأخلاقي.
سألوه عن السبب فكان الجواب بسيطاً وعميقاً في آن: الضمير الحي لا يساوم. قال إن تلك الجث التي ستسقط جراء القصف هي ذمم في عنقه، وسيقف بها بين يدي الله تعالى ، فسقطت في تلك اللحظة كل معادلات نسايس الواقع، وتهاوت حجة وما المشكلة أن أوقع وأحافظ على نفسي ، اختار أن يُرضي ربه أولاً ثم ضميره، على أن يبيع ذلك كله بحطام دنيا زائل. اختار أن يكون إنساناً قبل أن يكون مسؤولاً، وأن يبقى اسمه نظيفاً حتى لو اتسخت الكراسي من حوله. لم يكن هذا موقفاً سياسياً عابراً، كان موقفاً عقائدياً يحكمه ميزان عظيم: اليوم دنيا وغداً آخرة، ودفع الثمن كاملاً. غُيّر من منصبه، وأُبعد، وضُيّق عليه، واستُخدم ضده كل شيء لأنه قال لا للعدوان السعودي على هواء. لكن التاريخ لا يكتبه من أصدروا قرارات الإقالة، التاريخ يكتبه من وقفوا ودفعوا الثمن وهم رافعو الرأس، من السهل أن توقّع، ومن الصعب أن ترفض وأنت ضعيف ،من السهل أن تقول هذه أوامر، وهذا واقع، ولو لم أفعل سيأتي غيري ويفعل ، أما أن تقف في وجه آلة الحرب وتقول لن أكون شريكاً في دم، فذلك يحتاج إلى أصل عريق وإلى جبل من الشجاعة الأخلاقية ، محسن الداعري لم يبالِ بالمنصب ولم يبالِ بالعواقب، بالى بشيء واحد: أن ينام وضميره لا يؤنبه، وفي زمن كثرت فيه التبريرات وقلّت فيه المواقف، نحتاج أن نُعلّم الأجيال أن هناك من قال لا ، نحتاج أن نحفظ هذا الاسم في الذاكرة ليس كوزير سابق فقط، بل كشاهد على أن السياسة يمكن أن يكون لها قلب، وأن السلطة يمكن أن تنحني أمام الحق، لله در هذه الشخصية العظيمة. لمثل محسن الداعري كل الإجلال والتبجيل، لأن التاريخ لا يرحم من وقّع على الدم، ولا ينسى من رفض أن يوقّع عليه.
*ابو الاسكندر العلوي*
*الاربعاء،22 يوليو 2026م*