حين يصبح الوطن محطة عبور... لماذا يفرّ الشباب إلى الضفة الأخرى؟
الأحد - 02 أغسطس 2026 - 12:46 ص
صوت العاصمة/ بقلم: عبدالسلام محمد قاسم
لم يعد مشهد آلاف الشباب وهم يتدافعون نحو مدينة سبتة، أو يركبون قوارب الموت في طريقهم إلى السواحل الإسبانية، مجرد خبرٍ عابر تتناقله وكالات الأنباء، بل أصبح مرآةً تعكس أزمةً إنسانيةً عميقة، ورسالةً صامتة تقول إن الإنسان لا يهرب من وطنه إلا عندما يشعر أن الوطن لم يعد قادرًا على احتضان أحلامه.
إن الهجرة ليست نزوة، ولا مغامرةً من أجل الترف، بل هي في كثير من الأحيان قرار يولد من رحم اليأس. فعندما تضيق سبل العيش، وتختفي فرص العمل، ويصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة معركةً يومية، يبدأ الوطن في نظر بعض أبنائه بالانكماش، بينما تتسع في مخيلتهم صورة الضفة الأخرى، مهما كانت بعيدة ومليئة بالمخاطر.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول سبتة إلى عنوانٍ لأحلام آلاف الشباب، ولا أن تصبح إسبانيا، ومعها دول أوروبية أخرى، مقصدًا لمن يبحث عن فرصة عمل، أو تعليم، أو استقرار، أو كرامة إنسانية يعتقد أنها أصبحت بعيدة المنال في بلده.
وراء هذا المشهد تقف أسباب متشابكة؛ بطالة تستنزف أعمار الشباب، وغلاء معيشة يرهق الأسر، وتفاوت في الفرص، وضعف في التنمية، وتراجع في جودة التعليم والخدمات، فضلًا عن آثار النزاعات وعدم الاستقرار في بعض البلدان. وعندما تتراكم هذه العوامل دون حلول حقيقية، تتحول الهجرة من خيار فردي إلى ظاهرة اجتماعية واسعة.
وفي المقابل، ترسم وسائل الإعلام ومنصات التواصل صورة براقة للحياة في أوروبا، فيظن بعض الشباب أن الوصول إلى الضفة الأخرى يعني نهاية المعاناة، بينما يغفل كثيرون أن الطريق قد يقود إلى الغرق، أو الاستغلال، أو الاحتجاز، أو الترحيل، وأن الغربة نفسها تحمل تحدياتها القاسية.
إن هذه الظاهرة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قضية حدود أو هجرة غير نظامية فحسب، بل بوصفها مؤشرًا على وجود اختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية تستحق المعالجة. فحين يفقد المواطن ثقته بأن الغد سيكون أفضل في وطنه، يصبح الرحيل بالنسبة إليه مشروع نجاة، لا مجرد سفر.
ولا يمكن إنصاف الحقيقة بإلقاء المسؤولية على جهة واحدة أو على جميع الحكومات بالقدر نفسه، فلكل دولة ظروفها وتحدياتها. لكن من المؤكد أن السياسات التي تعجز عن توفير فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، وترسيخ العدالة، وإطلاق طاقات الشباب، تفتح الباب أمام تنامي دوافع الهجرة وتغذي الإحباط.
والأخطر من ذلك أن الأوطان لا تخسر أبناءها فحسب، بل تخسر عقولها وسواعدها وأحلامها. فكل شاب يغادر وهو يحمل علمًا أو مهارة أو طموحًا، يمثل خسارة مزدوجة؛ خسارة لوطنه الذي أنفق على تعليمه، ومكسبًا لبلدٍ آخر سيجني ثمرة ذلك الجهد.
إن الإنسان العربي، كغيره من شعوب العالم، لا يريد أكثر من حياةٍ آمنة، وفرصةٍ عادلة، وكرامةٍ مصونة. فإذا وجد ذلك في وطنه، فلن يغامر بحياته في البحر، ولن يجعل من الحدود ساحةً للمخاطرة، ولن يترك أمه خلفه باكيةً تنتظر خبر وصوله أو نبأ غرقه.
إن بناء الأوطان لا يكون بالشعارات، بل بصناعة الأمل، وإقامة العدالة، وتحقيق التنمية، وفتح أبواب المستقبل أمام الشباب. فعندما يشعر المواطن أن وطنه يمنحه حقه في الحياة الكريمة، تتحول الهجرة من حلمٍ إلى خيارٍ استثنائي، ويصبح الانتماء أقوى من كل إغراءات الرحيل.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق كل مسؤول وصانع قرار: كم من الشباب يجب أن يغادر، وكم من القوارب يجب أن تبحر، حتى ندرك أن علاج الهجرة يبدأ من إصلاح الداخل، لا من تشديد الحراسة على الحدود؟