مداد العاصمة



القضية الجنوبية… حقٌ سياسي لا يُطوى، وسلامٌ لا يكتمل إلا بحضور الجنوب على طاولة القرار

السبت - 08 أغسطس 2026 - 12:50 ص

القضية الجنوبية… حقٌ سياسي لا يُطوى، وسلامٌ لا يكتمل إلا بحضور الجنوب على طاولة القرار

صوت العاصمة/ كتب/فاطمة اليزيدي



منذ عقود، والقضية الجنوبية تمثل واحدة من أكثر القضايا السياسية حضورًا وتعقيدًا في المشهد المحلي والإقليمي. ورغم تعاقب المراحل، وتغير الحكومات، وتبدل التحالفات، واختلاف موازين القوى، بقيت القضية الجنوبية ثابتة في وجدان قطاع واسع من أبناء الجنوب العربي، باعتبارها قضية سياسية تتعلق بالهوية والتمثيل ومستقبل الدولة، وليست مجرد ملف يمكن تأجيله أو تجاوزه.

لقد أثبتت التجارب السياسية أن الأشخاص قد يتغيرون، والقيادات قد ترحل، والمواقف قد تتبدل وفقًا لمقتضيات السياسة، لكن القضايا الوطنية الكبرى لا تنتهي بتغير الأسماء، بل تبقى قائمة ما دامت أسبابها قائمة. ومن هذا المنطلق، فإن القضية الجنوبية ظلت حاضرة رغم كل التحولات، لأنها بالنسبة لمؤيديها تمثل حقًا سياسيًا يرتبط بمستقبل الجنوب ومكانته وسيادته.

إن المطالبة باستعادة دولة جنوبية كاملة السيادة ليست، بالنسبة لأنصار هذا التوجه، شعارًا عابرًا أو موقفًا ظرفيًا، بل مشروعًا سياسيًا تشكل عبر سنوات طويلة من الأحداث والمتغيرات، ورسخته محطات تاريخية عديدة، وأصبح جزءًا من الخطاب السياسي الجنوبي المعاصر. ولذلك، فإن أي قراءة واقعية للمشهد لا يمكنها تجاهل هذا الحضور الشعبي والسياسي، ولا القفز فوقه باعتباره عنصرًا أساسيًا في أي معادلة مستقبلية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن محاولات إدارة الأزمات بعيدًا عن جذورها لا تؤدي إلى حلول مستدامة، وإنما تؤجل الانفجار السياسي إلى مراحل لاحقة. فالسلام الحقيقي لا يقوم على تجاوز القضايا الجوهرية، وإنما على الاعتراف بها، والاستماع إلى أصحابها، وإيجاد حلول عادلة تضمن الاستقرار طويل الأمد.

ومن هنا، فإن أي عملية سلام تُصاغ خارج إطار التمثيل الحقيقي للقضية الجنوبية، أو تتعامل معها كملف ثانوي، ستكون عرضة لفقدان جزء مهم من مقومات النجاح. فاستدامة أي تسوية سياسية تتطلب شمول جميع الأطراف والقضايا الرئيسية، بما يحقق سلامًا قائمًا على المشاركة والقبول، لا على الإقصاء أو التأجيل.

إن المجتمعين الإقليمي والدولي يدركان اليوم أن بناء السلام لا يتحقق عبر اتفاقات شكلية، وإنما عبر معالجة الأسباب السياسية التي أفرزت الصراع. وكل تجربة سلام ناجحة في العالم انطلقت من مبدأ الاعتراف بالوقائع السياسية على الأرض، لا من محاولة تجاوزها أو إنكارها.

وفي هذا السياق، يبرز الجنوب العربي باعتباره فاعلًا سياسيًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية. فالجنوب يمتلك موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وثقلًا سياسيًا، وإمكانات اقتصادية، وسواحل استراتيجية، وموانئ تشكل شريانًا مهمًا للتجارة الدولية. وهذه المعطيات تجعل من استقرار الجنوب عنصرًا أساسيًا لاستقرار المنطقة بأسرها.

إن بناء المستقبل لا يكون بإعادة إنتاج الأزمات القديمة، بل بصناعة حلول جديدة تستند إلى الحوار السياسي المسؤول، والاعتراف المتبادل، واحترام إرادة الشعوب في التعبير عن تطلعاتها وفق الأطر السلمية والسياسية والقانونية. فالتاريخ يثبت أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُحسم بالتجاهل، وإنما بالحوار الذي يعالج جذور الخلاف ويؤسس لاستقرار دائم.

ورغم تعاقب السنوات، لا تزال القضية الجنوبية حاضرة في النقاشات السياسية، وفي المبادرات الإقليمية والدولية، وفي مختلف المحافل التي تبحث عن تسوية شاملة للصراع. وهذا الحضور يعكس أنها ليست حدثًا عابرًا، بل قضية مستمرة فرضت نفسها على أجندة السياسة، وستظل كذلك ما لم تُعالج ضمن رؤية سياسية شاملة تحقق سلامًا مستدامًا.

إن الحكمة السياسية تقتضي النظر إلى المستقبل بعين الواقعية، لا بعين الأمنيات. والواقعية اليوم تقول إن السلام الحقيقي لا يُبنى بإقصاء أي قضية محورية، ولا بإغفال أي طرف يمتلك حضورًا سياسيًا وشعبيًا مؤثرًا. وكل اتفاق لا يراعي هذه الحقيقة سيظل معرضًا للاهتزاز، لأن الاستقرار لا يقوم إلا على حلول شاملة تحظى بقبول واسع.

الخاتمة

قد تتبدل الوجوه، وتتغير الحكومات، وتختلف التحالفات، وتتقاطع المصالح، لكن القضايا الوطنية لا تُقاس بعمر الأشخاص، بل بعمق حضورها في وجدان الشعوب. وستبقى القضية الجنوبية، بالنسبة لأنصارها، عنوانًا سياسيًا حاضرًا ما دام الجدل قائمًا حول مستقبل الجنوب. ومن هذا المنطلق، فإن أي مسار سلام يسعى إلى بناء استقرار دائم يحتاج إلى التعامل مع هذه القضية بوصفها جزءًا من الحل، لا ملفًا مؤجلًا أو هامشيًا. فالسلام الذي يستند إلى الشمول والحوار واحترام الحقوق السياسية هو وحده القادر على الصمود، أما السلام الذي يتجاوز القضايا الجوهرية، فإنه يبقى معرضًا للاهتزاز مهما بدا قويًا في بداياته



الأكثر زيارة


عاجل | شاهد أول صورة توثق لحظة سقوط صواريخ الحو.ثيين على مدي.

الجمعة/07/أغسطس/2026 - 09:25 ص

تداولت مصادر محلية، قبل قليل، أول صورة تُوثق لحظة سقوط صواريخ أُطلقت باتجاه مدينة مأرب، في هجوم نُسب إلى مليشيا الحوثي، وسط حالة من الخوف والهلع في أو


من وسط واشنطن يأتي الضوء الأحمر بعد طفح الكيل.

الجمعة/07/أغسطس/2026 - 01:08 ص

حين لا يكون للود سبيلاً، فمن الطبيعي إن الضغط يولد الانفجار، كما هو الحال اليوم في الجنوب لقد تم إطلاق الإشارة الضوئية الحمراء التي أعلنها المبعوث الخ


مقـ.ـتل ضباط سعوديين في هجوم حو.ثي على العبر والوديعة ومأرب..

الجمعة/07/أغسطس/2026 - 12:11 ص

أكدت مصادر عسكرية مقتل عدد من الضباط السعوديين في هجمات صاروخية شنتها مليشيا الحوثي صباح اليوم، استهدفت معسكرات تابعة للقوات السعودية في مناطق العبر و


عاجل | الدفاعات الجوية تُحبط هجو.مًا صاروخيًا حو.ثيًا استهدف.

الجمعة/07/أغسطس/2026 - 04:57 م

أفادت مصادر مطلعة، قبل قليل، بأن مليشيا الحوثي شنت هجومًا صاروخيًا استهدف مناطق في نجران وجيزان، جنوب المملكة العربية السعودية. وأكدت مصادر عسكرية أن