الشرعية اليمنية... الاستثمار في معركة معطلة
الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - 12:59 ص
صوت العاصمة/ بقلم: عيدروس المدوري
لم يكن البيان الأخير للمتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة مجرد خطبة عسكرية أخرى تُضاف إلى أرشيف البيانات المكررة، بل كان بمثابة مرآة صريحة كشفت القناع عن عقيدة سياسية تسكن أروقة الشرعية. حين يختصر الجيش الرسمي للبلاد موقفه في حصر ردعه بعيداً عن أي ملامح لاستراتيجية وطنية شاملة تُنهي الانقلاب وتستعيد العاصمة، فهو لا يعلن عن خطة عسكرية، بل يعلن عن قناعته التامة بالتعايش مع الأمر الواقع.
إن الاكتفاء بمنطق رد الفعل وتجاهل معركة التحرير الشاملة في هذا التوقيت بالذات يبعث برسالة قاطعة لا تحتمل التأويل: الشرعية اليمنية باتت تتغذى على الأزمة بدلاً من أن تسعى لحلها. لقد تحولت حالة اللا حرب واللا سلم من مأساة يتعصر لها المواطن المنهك إلى بؤرة استثمار ناعمة لطبقة سياسية وأمنية تلذذت بطعم الغربة المرفهة.
كيف لشرعية تنشد استعادة دولة أن تدير معركتها المصيرية بأسلوب المياومة العسكرية؟ وكيف يُطلب من شعب يقتله الجوع والغلاء وويلات الحصار أن يثق ببيانات تهدد بالرد في حال استمرار الضربات، وكأن القضية أضحت مجرد خروقات حدودية أو مناوشات جبهات، وليست قضية وطن مُختطف ومؤسسات منهوبة؟
الحقيقة التي لم يعد ممكناً تجميلها هي أن غياب الإرادة العسكرية لإنهاء الصراع يتناسب طردياً مع حجم الامتيازات والمخصصات المالية بالعملة الصعبة التي تتدفق على القيادات المقيمة في العواصم العربية والغربية. إن حسم المعركة وإنهاء حالة الشتات يعني تلقائياً العودة إلى الداخل ومواجهة استحقاقات التنمية والخضوع لأجهزة الرقابة والمساءلة، وهو ثمن باهظ لا يبدو أن أمراء التأزيم مستعدون لدفعه.
لقد غدت المعاناة اليمنية تجارة مربحة، والبيانات العسكرية الرنانة ما هي إلا مسكنات موقتة تُحقن في جسد الشارع المحتقن لامتصاص غضبه كلما ضاقت به سبل الحياة. إن الركون إلى انتظار ما ستجود به التوافقات الدولية أو المفاوضات الإقليمية بالتوازي مع تعطيل الجبهات هو تسليم صريح بتمزيق جغرافيا الوطن وتفريغ مفهوم الدولة من محتواه.
لن تستعيد الشرعية اعتبارها ولن يثق اليمنيون بأي بيان يصدر عن منصاتها الإعلامية والعسكرية ما لم تترجم تلك التهديدات إلى فعل ميداني يضع حداً لمعاناة الملايين. أما الاستمرار في دور المتفرج الحذر الحريص على بقاء مكاسبه الخاصة فلن يقود إلا إلى نتيجة واحدة: سقوط ما تبقى من مشروعية أخلاقية وسياسية أمام شعب لم يعد لديه ما يخسره.