مناورة مكشوفة واستحقاقات تاريخية مؤجلة: قراءة نقدية في محاولات رشاد العليمي لتعليق القضية الجنوبية
الخميس - 13 أغسطس 2026 - 12:32 ص
صوت العاصمة/ كتب / أبو ليث الحُميدي
في خطابه السياسي والإعلامي المتكرر، يصر رشاد العليمي، على إرجاع تعثر معالجة القضية الجنوبية إلى سبب رئيسي ومحوري يتمثل في "استمرار بقاء مليشيا الحوثيين". هذا الطرح، وإن بدا للوهلة الأولى محاولة لتعليق الأزمات على شماعة الحرب المشتعلة، إلا أنه يكشف في جوهره عن غاية سياسية مكشوفة، وهدف مرسوم بعناية للهروب من الاستحقاقات التاريخية الكبرى، والالتفاف الممنهج على حقوق شعب الجنوب وتطلعاته المشروعة في استعادة دولته وقراره السيادي.
إن محاولة حصر القضية الجنوبية كنزاع عارض مرتبط حصراً بالانقلاب الحوثي والحرب الراهنة، تعكس قصوراً سياسياً متعمداً وتجاهلاً فاضحاً للجذور التاريخية العميقة لهذه القضية الوطنية. فالقضية الجنوبية لم تولد مع اقتحام الحوثيين للعاصمة صنعاء في صيف 2014، بل تعود جذورها السياسية والاجتماعية المباشرة إلى حرب صيف 1994 الغاشمة وما تلاها من سياسات الإقصاء والتهميش المنهجي، وتسريح مئات الآلاف من الكوادر المدنية والعسكرية الجنوبية، وصولاً إلى إطلاق شعلة الحراك السلمي الجنوبي في العام 2007.
إن اختذال أزمة وطنية وسياسية بهذا الحجم في مخرج عسكري بحت مع الحوثيين، ليس سوى تزييف للحقائق التاريخية ومحاولة بائسة لتفريغ النضال الجنوبي من مضمونه الحقيقي. كما أن استخدام الخطر الحوثي كذريعة مطلقة لتجميد الحلول السياسية يثبت يوماً بعد يوم أن السلطة الحالية تستخدم الحرب كغطاء مستدام للتهرب من التزاماتها الأخلاقية والسياسية تجاه أبناء الجنوب، ورفضها القاطع لأي شراكة حقيقية تقوم على الندّية والاعتراف المتبادل.
لقد أثبت وعي الشارع الجنوبي وقواته المسلحة وقواه الحية أن لغة الوصايا الفوقية لم تعد تخدع أحداً، وأن محاولات الابتزاز السياسي باتت مكشوفة الأوراق. ولقد جاء الموقف الجنوبي حاسماً، قاطعاً، وصريحاً لا لبس فيه: *لن يكون أبناء الجنوب طرفاً يُستدعى حين تتوزع الأدوار، ولا بندقية تُستأجر في حروب الآخرين.*
فللجنوب اليوم حساباته الوطنية الخاصة، و بوصلته المستقلة التي لا تُكتب بمداد الوصايا الإقليمية، ولا تُمحى بضغط المعادلات السياسية الفاسدة. وقناعة أبناء الجنوب الراسخة اليوم هي أنهم لن يقاتلوا إلا دفاعاً عن أرضهم، وحماية لحدود بلادهم، وصيانة لسيادتهم الوطنية، لا أن يكونوا وقوداً لمعارك عبثية في جبهات تنصل أهلها الحقيقيون عن خوضها والدفاع عن مناطقهم، مفضلين تحويل الجنوب إلى ساحة خلفية لتمرير أجنداتهم الضيقة.
إن الحديث عن أي شراكة سياسية أو عسكرية قائمة مع منظومة "الشرعية" بات وهماً يفتقر لأي سند واقعي؛ فقد سقطت تلك الشراكة وتهاوت أركانها تماماً على وقع الميدان، وتوجت بسلسلة من الاعتداءات الخطيرة أفضت إلى قصف واستهداف القوات المسلحة الجنوبية في محافظة حضرموت.
هذا الاعتداء السافر لم يكن مجرد حادث عارض، بل جاء ليسقط آخر أوراق التوت عن وجه السلطة، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الأطراف النافذة والمتنفذة داخل منظومة "الشرعية" تواصل نهج العداء المبطن والمكشوف للجنوب وقواته الباسلة. لقد تجاوزت هذه القوى كل قواعد الشراكة والندّية المفترضة، لتكشف عن وجه عدائي صريح يثبت أن استهداف الجنوب يوازٍ في خطورته استهداف الانقلابيين أنفسهم.
إن محاولة ابتزاز الجنوب وربط مصيره ومستقبله بالقضاء على الحوثيين بهدف توجيه بوصلته قسراً نحو الشمال قد احترقت أوراقها تماماً. لقد انتهت الشراكة رسمياً بدماء الأبطال الطاهرة في حضرموت، وتحدد مسار الجنوب بوضوح تام نحو حماية الأرض، وصيانة السيادة، وبناء الدولة. ولن يقبل أبناء الجنوب بعد اليوم أن تكون تضحياتهم الجسام مطية لمشاريع سياسية مهترئة تسعى لترحيل الأزمات وتثبيت مظالم الماضي، فالجنوب اليوم شريك حقيقي للسلام العادل، وليس تابعاً لأجندات الفشل والوصاية.