إيـ.ـران تعوّض ورقة هرمز بالحو.ثيين .. باب المندب يدخل دائرة الابتزاز
الخميس - 13 أغسطس 2026 - 12:46 ص
صوت العاصمة/ متابعات
تتجه المواجهة الإقليمية إلى فتح مسار جديد في البحر الأحمر، مع تصاعد هجمات مليشيا الحوثي على الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، في وقت تتزامن فيه هذه التحركات مع تصعيد إيراني واسع في المنطقة، ما يعزز المخاوف من استخدام الجماعة كورقة ضغط إيرانية خارج حدود اليمن.
ويكشف توقيت التصعيد الحوثي أن باب المندب لم يعد مجرد ساحة ثانوية في الصراع اليمني، بل يتحول تدريجياً إلى ورقة إقليمية تستخدمها طهران في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى تلويح إيران مجدداً بورقة الحوثيين وإغلاق باب المندب، بالتزامن مع تصاعد التوتر حول الممرات المائية في المنطقة.
وتشير قراءة الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني خالد النسي بحسب ما نشره موقع "سكاي نيوز عربية" إلى أن تحركات الحوثيين لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية، معتبراً أن الجماعة تتحرك في إطار دعم وتوجيه من طهران، وأن الهدف يتجاوز الساحة اليمنية إلى محاولة تشتيت القوة العسكرية الموجودة في محيط الخليج ومضيق هرمز.
وبحسب النسي، فإن إيران تبحث عن جبهة إضافية تستنزف خصومها، خصوصاً الولايات المتحدة، وتمنحها قدرة أكبر على توزيع الضغوط بدلاً من تركيزها في مسرح واحد.
وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر في ظل محاولة الحوثيين تقليد استراتيجية الضغط على الممرات البحرية التي تستخدمها إيران في مضيق هرمز. وكانت رويترز قد نقلت في يوليو أن الحوثيين يسعون إلى محاكاة استراتيجية إيران في هرمز من خلال تعطيل حركة السفن في باب المندب، في ظل ما وصفه مسؤول يمني كبير باستفادة الجماعة من ضعف الاستجابة الدولية.
كما أعلنت الجماعة في يوليو ما وصفته بـ"حصار بحري" يستهدف السعودية، في خطوة هددت بتوسيع نطاق الاضطراب من الخليج إلى البحر الأحمر، الأمر الذي دفع بعض السفن إلى تغيير مساراتها.
باب المندب.. ورقة بديلة بعد اضطراب هرمز
تراهن طهران، وفق هذه القراءة، على الأهمية الاستراتيجية لباب المندب باعتباره منفذاً حيوياً لحركة التجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.
ومع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، تصبح السيطرة على مسارات بديلة أكثر أهمية بالنسبة إلى الأسواق العالمية. وبالتالي فإن تهديد باب المندب لا يمثل ضغطاً على اليمن أو السعودية فقط، بل يمكن أن يمتد إلى شركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة والتجارة الأوروبية والآسيوية.
وقد حذرت تقارير دولية بالفعل من عودة أزمة الشحن في البحر الأحمر، في وقت تتزامن فيه الهجمات الحوثية مع تعثر مساعي احتواء التصعيد المرتبط بإيران. وتكمن خطورة الاستراتيجية الإيرانية: تحويل الجماعة الحوثية من طرف في نزاع يمني إلى أداة ضغط على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بما يجعل أي تصعيد محدود قابلاً للتحول إلى أزمة دولية واسعة.
المفارقة أن إيران تستطيع إدارة هذه المواجهة من مسافة بعيدة، بينما يتحمل اليمنيون الكلفة المباشرة للتصعيد. فالهجمات التي تنطلق من الأراضي اليمنية لا تضرب المصالح الدولية فقط، وإنما تعرّض المدن الساحلية والمنشآت والموانئ اليمنية لمزيد من الاستهداف، وتعمق عزلة الاقتصاد اليمني، وتزيد مخاطر الحرب على السكان.
كما أن استمرار تهديد السفن التجارية يهدد بتحويل البحر الأحمر إلى منطقة عالية المخاطر أمام شركات الملاحة، وهو ما قد يدفع مزيداً من السفن إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويطيل زمن وصول البضائع.
وتكتسب المخا أهمية خاصة في هذه المعادلة، باعتبارها مدينة ساحلية استراتيجية تطل على باب المندب، فيما سبق أن أشارت تقارير إلى أن تأمين المخا ومينائها يمثل عاملاً مهماً في حماية الممر الملاحي.
جبهات يمنية مشتتة تمنح الحوثيين مساحة للمناورة
ولا تقتصر المشكلة على القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي يمتلكها الحوثيون، بل تتصل أيضاً بحالة الانقسام العسكري والسياسي في الجانب المناهض للجماعة.
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني خالد النسي أن تعدد الجبهات في تعز والساحل الغربي ومأرب والضالع والجوف، من دون استراتيجية عسكرية موحدة وقرار سياسي حاسم، منح الحوثيين مساحة للاستمرار في تطوير قدراتهم وفرض إيقاع التصعيد.
وهذه الثغرة تحديداً تسمح للجماعة بالمزاوجة بين الضغط البحري والتهديدات البرية، بحيث تستطيع الانتقال من استهداف السفن إلى قصف المخا أو الضغط على جبهات مأرب وحضرموت، مستفيدة من غياب جبهة موحدة قادرة على ردعها.
ومع سقوط قتلى في هجوم باب المندب الأخير ضد سفينة تجارية واستمرار استهداف المخا، يبدو أن المسألة تتجاوز مجرد جولة جديدة من الحرب اليمنية. فالخطر الحقيقي يتمثل في تحول الحوثيين إلى ذراع بحرية لإيران على واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم. وإذا استمرت الهجمات، فقد تجد الولايات المتحدة والقوى الدولية نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: مواجهة الضغط الإيراني في الخليج، بالتوازي مع التعامل مع تهديد حوثي في البحر الأحمر.
ويصبح باب المندب الجبهة الجديدة التي تراهن عليها طهران لتوسيع نطاق الصراع وتوزيع كلفته على خصومها، فيما يبقى اليمن الساحة التي تُدفع فيها الفاتورة الأكبر.
وفي ظل هذا المشهد، فإن الاكتفاء بإدارة الهجمات الحوثية كلما وقعت قد لا يكون كافياً لوقف التصعيد. فالتهديد الذي يتشكل في باب المندب يحتاج إلى استراتيجية ردع متكاملة، تبدأ بتوحيد الجبهات اليمنية المناهضة للحوثيين، ولا تنتهي بتأمين الممرات البحرية ومنع تحويلها إلى ورقة ابتزاز إيرانية.
وتبدو الرسالة الأوضح من التصعيد الأخير أن ترك الحوثيين يملكون زمام المبادرة في الساحل الغربي يعني منح طهران منفذاً إضافياً للضغط على المنطقة والعالم، وتحويل باب المندب من ممر للتجارة الدولية إلى جبهة مفتوحة في صراع يتجاوز حدود اليمن بكثير.