لستم وحدكم.. قراءة في أزمة النخبة والشارع الجنوبي
الجمعة - 14 أغسطس 2026 - 12:19 ص
صوت العاصمة/ بقلم: خضر الميسري - ناشط سياسي
عندما تكون «أنا ومن بعدي الطوفان» هي العنوان...
في لحظات التحول التاريخي والمراحل الحساسة، لا تُقاس حكمة النخب بقدرتها على الشحن الشعبوي أو حشد الشارع، بقدر ما تُقاس بقدرتها على قراءة الواقع السياسي والجيوسياسي بوعي وواقعية، وإدارة الاختلاف، والمراكمة على المكتسبات، بعيدًا عن ردود الأفعال العاطفية والاستقطاب السياسي.
لكن عندما تتسلل عقلية «أنا ومن بعدي الطوفان» إلى تفاصيل التحرك الميداني والسياسي، يبدأ المسار في الابتعاد عن أهدافه الجامعة، وتتحول القضايا الوطنية إلى ساحات للمنافسة والإقصاء.
فالأنانية السياسية، والارتهان لمنطق التهميش، وتكريس معادلة «المباراة صفرية النتيجة»، لا تنتج مشروعًا وطنيًا ولا تؤسس لقاعدة سياسية سليمة، وإنما تورث دورات متجددة من الاستنزاف والتشرذم، يدفع المواطن البسيط ثمنها في حياته اليومية.
لماذا لم تعد سياسات الأمس صالحة لسياسة اليوم؟_
المراجعة الذاتية، تقييمًا ونقدًا، ليست ضعفًا ولا تراجعًا، بل هي من أعلى درجات المسؤولية الوطنية والرشد السياسي.
فما كان يمتلك فاعلية تعبوية في مرحلة سابقة قد لا يمتلك الفاعلية ذاتها اليوم، في ظل تغيرات كبيرة طرأت على المشهد السياسي والإقليمي والدولي.
_أولًا: تغيّر ديناميكيات الصراع_
لم تعد النخب السياسية تمتلك بالضرورة الأدوات ذاتها من النفوذ أو الشرعية السياسية التي توفرت لها بالأمس. فالواقع الإقليمي والدولي يعيد تشكيل أولوياته باستمرار، وما كان أداةً للنجاح في مرحلة سابقة قد يتحول اليوم إلى عبء سياسي أو عائق جيوسياسي.
_ثانيًا: استنزاف الشارع وتآكل الرصيد المجتمعي_
إن إنهاك المجتمع بالصراعات الجانبية يضعف الجبهة الداخلية ويؤدي إلى تآكل رأس المال الاجتماعي.
ومع تراكم الوعود غير المحققة والتجاذبات السياسية، تفقد القضايا العادلة جزءًا من بريقها وزخمها، مهما كانت مشروعيتها.
_ثالثًا: خطورة احتكار التمثيل_
إن الإصرار على احتكار الشرعية التمثيلية أو إلغاء الآخر يحول دون تشكيل تكتل تاريخي عريض، ويعرقل صياغة رؤية استراتيجية جامعة تستوعب التعددية السياسية والاجتماعية في عدن والجنوب عمومًا.
_من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول_
النخبة الجنوبية في عدن وكافة المحافظات الجنوبية تقف اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فالمطلوب لم يعد مجرد إدارة الأزمات، وإنما الانتقال إلى صناعة الحلول وبناء التوافقات.
ويبدأ ذلك بإعادة بناء الثقة وصياغة عقد اجتماعي جديد، عبر فتح قنوات حوار وطني شامل ومباشر بين مختلف الفاعلين السياسيين والمكونات الاجتماعية، دون شروط مسبقة أو أطر أيديولوجية ضيقة، وبما يجعل المصلحة الوطنية القاسم المشترك والمرجعية الأساسية.
كما أن المطلوب ليس إلغاء الاختلاف؛ فالاختلاف جزء طبيعي من أي مجتمع سياسي، وإنما المطلوب هو إدارة الاختلاف بطريقة تمنع تحوله إلى صراع يستنزف الجميع.
_السياسة فن إدارة الممكن_
السياسة في جوهرها ليست مجرد امتلاك القدرة على الحشد أو رفع سقف الخطاب، بل هي فن إدارة الممكن، وحماية المجتمع من الانزلاق نحو المجهول.
وإعادة التوازن إلى العلاقة بين النخبة والشارع تبدأ من حقيقة بسيطة: الجميع في سفينة واحدة.
فإما أن تتسع هذه السفينة للجميع عبر التوافق السياسي والشراكة الوطنية، وإما أن يستمر الجميع في دفع الكلفة الباهظة للحسابات الخاطئة والهندسة السياسية القاصرة.
وفي اللحظات المفصلية، لا تكون البطولة في أن ينتصر طرف على طرف، بل في أن ننجح جميعًا في حماية القضية والمجتمع والمستقبل من أن تتحول الخلافات السياسية إلى خسارة للجميع.