أخبار محلية



من المتارس إلى السماء.. حـ.ـرب اليمن تدخل عصر المسيّرات المتبادلة

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - 12:24 ص

من المتارس إلى السماء.. حـ.ـرب اليمن تدخل عصر المسيّرات المتبادلة

صوت العاصمة/ متابعات


لم تعد الحرب في اليمن تخاض بالطريقة التي عرفتها جبهاتها خلال السنوات الماضية. فبعد سنوات من المعارك البرية، والقصف المدفعي والصاروخي، والكمائن والهجمات المباشرة، يبدو أن سلاحاً جديداً بدأ يفرض نفسه بصورة أكثر وضوحاً على ميدان المواجهة، وهو «الطائرات المسيّرة».

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت جبهات القتال بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين تصعيداً لافتاً اتخذ طابعاً مختلفاً عن الجولات السابقة، مع استخدام المسيّرات في استهداف مواقع وتجمعات عسكرية، في وقت لم يعد فيه هذا السلاح حكراً على طرف واحد، بعدما بدأت القوات الحكومية بدورها في استخدام المسيّرات لتنفيذ ضربات مضادة ضد مواقع وقدرات حوثية.

وجاء ذلك بالتزامن مع هجمات حوثية استهدفت مواقع للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت، خلال اليومين الماضيين، في واحدة من أبرز موجات التصعيد منذ فترة طويلة، قبل أن تعلن القوات الحكومية تنفيذ ضربات مضادة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية في عدد من الجبهات.

المسيّرة.. سلاح الحرب الجديدة

ما يحدث لا يبدو مجرد استخدام عابر للطائرات المسيّرة في معركة تقليدية، بل قد يمثل تحولاً تدريجياً في آلية إدارة العمليات العسكرية. فالمسيّرة تمنح الطرف الذي يمتلكها قدرة على الاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف، وتنفيذ الضربة من مسافات بعيدة، من دون الحاجة إلى تحريك أعداد كبيرة من القوات أو الدخول في اشتباك مباشر. ولهذا السبب أصبحت هذه الطائرات جزءاً أساسياً من حروب حديثة كثيرة، كما تحولت في اليمن خلال السنوات الماضية إلى إحدى أبرز أدوات جماعة الحوثيين في تنفيذ الهجمات.

لكن التطور الأهم في الجولة الحالية يتمثل في أن المعادلة لم تعد أحادية الاتجاه. فالقوات الحكومية بدأت، وفق ما أعلنته مصادر عسكرية وإعلامية خلال الأيام الأخيرة، باستخدام المسيّرات لتنفيذ ضربات على مواقع وآليات وتجمعات حوثية. وتداولت مصادر إعلامية مقاطع تظهر استخدام القوات الحكومية لهذا النوع من السلاح ضد أهداف حوثية في مأرب والحديدة.

وهنا تبرز دلالة مختلفة، وهي أن المسيّرة لم تعد مجرد سلاح هجومي تستخدمه جماعة الحوثيين ضد خصومها، وإنما بدأت تتحول إلى جزء من لغة الردع المتبادل بين طرفي الحرب.

إذا استمر هذا النمط، فقد تدخل الحرب اليمنية مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«حرب الاستنزاف عن بُعد». فبدلاً من دفع أعداد كبيرة من المقاتلين نحو خطوط التماس، يمكن للطرفين استهداف مواقع الخصم من مسافات بعيدة، وضرب الأرتال والتحصينات والتجمعات العسكرية، وتنفيذ عمليات استطلاع قبل الضربة وبعدها.

وهذا النوع من الحرب قد يكون أقل كلفة بشرياً بالنسبة للطرف المهاجم، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى المخاطر على القوات الموجودة في المعسكرات والمواقع الثابتة، خصوصاً إذا أصبح رصد التحركات العسكرية أكثر سهولة. كما أن انتشار المسيّرات قد يغير مفهوم «الخطوط الأمامية» نفسه، إذ يمكن أن يصبح الموقع العسكري البعيد عن جبهة الاشتباك المباشر هدفاً محتملاً في أي لحظة.

تحول استراتيجي في سماء المعركة

لسنوات، ارتبط اسم الطائرات المسيّرة في الحرب اليمنية بصورة أساسية بالقدرات العسكرية الحوثية، سواء في الهجمات داخل اليمن أو في الهجمات التي استهدفت السعودية خلال سنوات الحرب. أما الجديد في التطورات الأخيرة، فهو أن القوات الحكومية باتت تظهر قدرة متزايدة على استخدام المسيّرات في العمليات الهجومية. وهذا التحول، إذا اتسع، قد يفرض معادلة جديدة على الحوثيين: كل هجوم بالمسيّرات قد يصبح قابلاً للرد بالمثل.

وبالتالي، فإن امتلاك القدرة على تنفيذ الضربة لم يعد وحده هو العامل الحاسم، بل تصبح القدرة على اكتشاف المسيّرات، وتشويشها أو إسقاطها، وحماية المواقع العسكرية، ثم تنفيذ ضربة مضادة دقيقة، عناصر أساسية في ميزان القوة الجديد.

ومع اتساع رقعة استخدام المسيّرات، فإن الجبهات اليمنية قد تصبح أكثر ترابطاً من الناحية العملياتية، فالضربة التي تبدأ في مأرب قد تقابل بضربة في الحديدة، فيما تتحول الجبهات من ساحات منفصلة إلى مسرح عمليات متداخل.

وهذا تحديداً ما يجعل التصعيد الحالي مختلفاً عن مجرد عودة الاشتباكات التقليدية.

الإجابة لا تزال مبكرة. فمن السابق لأوانه القول إن الحرب اليمنية انتقلت بصورة كاملة من نمطها التقليدي إلى حرب تعتمد على المسيّرات. فما زالت المدفعية والصواريخ والأسلحة البرية والاشتباكات المباشرة حاضرة بقوة.

لكن المؤشرات الحالية تكشف عن تغير واضح في وظيفة المسيّرات داخل المعركة.

فالمسيّرة لم تعد مجرد أداة مساندة للعمليات العسكرية، بل بدأت تتحول إلى وسيلة رئيسية في استهداف القوة البشرية والآليات والمواقع، وإلى أداة للردع وإظهار القدرة على الوصول إلى عمق الخصم.

وهذا التحول قد يكون واحداً من أهم ملامح الجولة الحالية.

ثمة عامل آخر لا يمكن تجاهله. فالتصعيد العسكري الأخير يأتي في ظل بيئة يمنية وإقليمية أكثر توتراً، وبعد سنوات من حالة «اللاحرب واللاسلم» التي خفضت مستوى العمليات العسكرية الواسعة دون أن تنهِ الصراع. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن حالة الجمود لم تكن بالضرورة نهاية للحرب، بل ربما كانت مرحلة لإعادة ترتيب القدرات والأولويات.

وفي هذا السياق، تبدو المسيّرات سلاحاً مثالياً لحرب طويلة منخفضة الكلفة نسبياً، تسمح بإبقاء الضغط العسكري من دون العودة بالضرورة إلى نموذج المعارك البرية الواسعة.

المسألة الأكثر أهمية ليست في الضربات التي وقعت خلال الأيام الماضية، وإنما في السؤال عما إذا كانت ستتحول إلى نمط ثابت من القتال. فإذا استمرت جماعة الحوثيين في استخدام المسيّرات ضد المواقع الحكومية، واستمرت القوات الحكومية في الرد بالطريقة ذاتها، فقد تنشأ تدريجياً معادلة جديدة عنوانها: «ضربة بمسيّرة يقابلها رد بمسيّرة».

وهنا قد تدخل الحرب مرحلة أكثر تعقيداً، إذ يصبح تطوير المسيّرات، وتحسين دقتها ومدياتها، وتوسيع قدرات الاستطلاع، وتوفير وسائل التشويش والدفاع الجوي، جزءاً أساسياً من سباق عسكري جديد. وقد يؤدي ذلك إلى تحويل الحرب من صراع للسيطرة على الأرض فقط إلى صراع على القدرة على الرصد والاستهداف من السماء.

بين التصعيد والحسم.. أين تتجه الحرب؟

رغم خطورة التطورات الأخيرة، لا تعني زيادة استخدام المسيّرات بالضرورة أن الحرب تتجه نحو الحسم العسكري، بل قد يحدث العكس. فالمسيّرات تمنح الأطراف قدرة أكبر على إلحاق الضرر بالخصم من دون الحاجة إلى خوض معركة فاصلة، وهو ما قد يجعلها أداة مناسبة لحرب استنزاف طويلة.

والمشهد المقبل أقرب إلى تصعيد مضبوط ومتبادل: ضربات جوية محدودة، وردود محسوبة، واستهداف للمواقع العسكرية، مع تجنب الانزلاق إلى معركة برية شاملة. لكن الخطر يكمن في أن أي ضربة توقع خسائر كبيرة، أو تستهدف موقعاً حساساً، قد تدفع الطرف الآخر إلى رد أقوى، لتبدأ حينها سلسلة من الضربات المتبادلة يصعب التحكم في مسارها.

ما يجري في اليمن اليوم لا يعني أن البندقية والمدفع والدبابة غادرت ميدان المعركة، لكنها قد تكون مؤشراً إلى أن سماء اليمن أصبحت جبهة قتال قائمة بذاتها. فالحوثيون يستخدمون المسيّرات كأداة هجومية، والقوات الحكومية بدأت ترد بالسلاح ذاته.

وبينما كانت المعارك اليمنية تُقاس سابقاً بعدد المواقع التي سقطت ومساحات الأرض التي تغيرت السيطرة عليها، قد يصبح معيار الجولة المقبلة مختلفاً: من يستطيع أن يرى خصمه أولاً؟ ومن يستطيع أن يصل إليه قبل أن يصل إليه الآخر؟

وهنا تحديداً تكمن دلالة التحول.

الحرب في اليمن لم تتغير فقط في مستوى التصعيد، وإنما بدأت تتغير في شكلها وأدواتها. ومن المتاريس التي كانت تفصل المقاتلين على الأرض، تتجه المواجهة تدريجياً إلى سماء مفتوحة لا تعرف فيها الجبهات حدوداً واضحة.



الأكثر زيارة


كشوفات صادمة تفجر ملف التعيينات في الخارجية اليمنية.. ومطالب.

الخميس/13/أغسطس/2026 - 06:37 م

فجر الإعلامي والكاتب جمال الشعري ملف التعيينات في وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية اليمنية، محذرًا من �كارثة إدارية� إذا ثبتت صحة المعلومات والكشوف


المضادات الأرضية تتصدى لطيران مسيّر حو.ثي في العاصمة عدن.

الخميس/13/أغسطس/2026 - 04:59 ص

أفاد مصدر صوت العاصمة أن المضادات الأرضية التابعة للقوات المسلحة الجنوبية باشرت في هذه الأثناء إطلاق النار من اتجاه البريقة، مدينة الشعب، وبئر أحمد في


حين تشتد المؤامرات.. يكون الوعي سلاح الوطن.

الخميس/13/أغسطس/2026 - 01:57 ص

يمر الوطن اليوم بواحدة من أشد وأخطر المراحل، في ظل مؤامرات وتحديات كبيرة من الداخل والخارج، تستهدف أمنه واستقراره، وتسعى إلى طمس هويته، واحتلال أراضيه


السعودية وخيانة الحلفاء .. حين تتحول التحالفات إلى أوراق مسا.

الخميس/13/أغسطس/2026 - 01:07 ص

في عالم السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات أبدية، لكن هناك شيئًا يفترض أن يبقى ثابتًا: احترام الحليف وعدم تركه وحيدًا عندما تشتد العواصف. غير أن