أخبار محلية



اليمن في زمن التحولات.. صراع الأزمات وفرص الخروج من المأزق

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - 12:17 ص

اليمن في زمن التحولات.. صراع الأزمات وفرص الخروج من المأزق

صوت العاصمة/ متابعات


لم يعد المشهد اليمني مجرد أزمة سياسية ممتدة أو حرب تبحث عن نهاية، بل تحول إلى حالة مركبة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والأمن بالخدمات، والصراع المحلي بالتجاذبات الإقليمية والدولية.

وبينما تتغير موازين القوى في المنطقة، يجد اليمن نفسه أمام لحظة مفصلية: إما أن تتحول التحولات المحيطة إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، أو أن تفتح الباب أمام جولة جديدة من الأزمات التي تستنزف ما تبقى من قدرات الدولة والمجتمع.

خلال السنوات الماضية، تراكمت الأزمات على نحو جعل المواطن اليمني يعيش أكثر من حرب في وقت واحد. حرب على الأرض، وأخرى مع الفقر وتدهور العملة وارتفاع الأسعار، وثالثة مع انقطاع الكهرباء وشح المياه والوقود والغاز، فضلاً عن تراجع فرص العمل واتساع دائرة الاحتياجات الإنسانية.


ولذلك، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم لم يعد فقط: متى تنتهي الحرب؟ بل أصبح: كيف يمكن لليمن أن يخرج من منظومة الأزمات التي أنتجتها الحرب، حتى بعد توقف البنادق؟

من أزمة سياسية إلى مأزق شامل

تكمن خطورة الأزمة اليمنية في أنها لم تعد محصورة في الخلاف على السلطة، وإنما تحولت إلى أزمة دولة ومؤسسات وموارد واقتصاد وخدمات.

فاستمرار الانقسام السياسي والعسكري أضعف قدرة المؤسسات العامة على العمل بصورة متكاملة، بينما أدى تراجع الإيرادات وتعطل صادرات النفط إلى تضييق هامش الحركة أمام الحكومة، ورفع الاعتماد على الدعم الخارجي لتمويل قطاعات أساسية.

وفي المقابل، أصبحت الخدمات العامة واحدة من أكثر الواجهات التي يلمس من خلالها المواطن نتائج الصراع. الكهرباء، والمياه، والنقل، والوقود، والصحة والتعليم، لم تعد ملفات خدمية منفصلة، بل أصبحت مؤشرات يومية على قدرة الدولة على إدارة مناطق نفوذها وحماية الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.

وهنا تتجسد المفارقة اليمنية: كلما طال أمد الصراع أصبحت معالجة آثاره أكثر صعوبة، وكلما تراجعت قدرة الدولة على تقديم الخدمات ازداد الاحتقان الاجتماعي، ما يخلق بيئة أكثر هشاشة أمام الصراعات الجديدة.

الاقتصاد.. الحلقة الأكثر هشاشة

يبقى الاقتصاد الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة اليمنية. فانخفاض قيمة العملة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر لا تعكس فقط أزمة مالية، بل تكشف عن اختلالات أعمق مرتبطة بمصادر الإيرادات، وانقسام المؤسسات الاقتصادية، وتعطل النشاط الإنتاجي، وتراجع الاستثمار.

كما أن استمرار الاعتماد على الاستيراد في تلبية جزء كبير من الاحتياجات الأساسية، يجعل السوق اليمنية شديدة التأثر بأسعار النقل والشحن والطاقة والتطورات الإقليمية.

ومع كل أزمة في الوقود أو النقل البحري أو سعر الصرف، تنتقل التداعيات سريعاً إلى الأسواق، ثم إلى دخل الأسرة اليمنية.

ولهذا فإن أي مشروع للخروج من المأزق لا يمكن أن يبدأ من السياسة وحدها، بل يحتاج إلى مسار اقتصادي متزامن يعيد تنشيط الإيرادات، ويحسن إدارة الموارد، ويدعم القطاع الخاص، ويخلق بيئة أكثر استقراراً للاستثمار والإنتاج.

عدن.. اختبار الدولة والخدمات

في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية (المعترف بها دولياً) تبدو العاصمة عدن نموذجاً واضحاً لهذا التعقيد.
فالمدينة التي تحمل أعباء سياسية واقتصادية وإدارية كبيرة، تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً متزايدة على الكهرباء والخدمات والنقل والأسواق.

وتكشف أزمات الغاز والكهرباء بصورة خاصة أن ملف الخدمات لم يعد تفصيلاً ثانوياً في المشهد السياسي، بل أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار نفسها.

فحين تتوقف الكهرباء لساعات طويلة، أو تتعطل وسائل النقل بسبب أزمة الغاز، أو ترتفع أسعار السلع، فإن المواطن لا ينظر إلى الأزمة باعتبارها نتيجة لخلاف سياسي بعيد، وإنما باعتبارها أزمة تمس حياته اليومية مباشرة.

ومن هنا، فإن تحسين الخدمات في عدن وبقية المدن لا يمثل فقط واجباً إدارياً، بل يمكن أن يشكل مدخلاً لاستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

الحرب تغير شكلها

في الوقت الذي يواجه فيه اليمن أزماته الداخلية، لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في خطوط المواجهة التقليدية.

فالهجمات على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب أضافت بعداً إقليمياً ودولياً جديداً للصراع اليمني، ورفعت كلفة المخاطر على حركة التجارة والنقل البحري.

وبذلك يتحول الموقع الاستراتيجي الهام لليمن - الذي يفترض أن يكون أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية - إلى مصدر إضافي للمخاطر في أوقات التوتر.

لكن هذه المعادلة يمكن أن تنقلب إذا نجح اليمن مستقبلاً في استعادة الاستقرار، وبناء مؤسسات قادرة على تأمين موانئه وممراته البحرية. فالموقع على باب المندب ليس مجرد جغرافيا، بل فرصة اقتصادية واستراتيجية يمكن أن تكون جزءاً من مشروع التعافي الوطني.

الاستفادة من التحولات الإقليمية

رغم قتامة المشهد، فإن التحولات التي تشهدها المنطقة قد تحمل لليمن فرصة لا ينبغي إهدارها.
فكلما اتجهت القوى الإقليمية والدولية نحو البحث عن ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقراراً، ازدادت الحاجة إلى معالجة الملفات المفتوحة، وفي مقدمتها الملف اليمني.

غير أن الاستفادة من هذه اللحظة تتطلب موقفاً يمنياً أكثر تماسكاً، وقدرة على تقديم رؤية وطنية تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.

فاليمن لا يستطيع أن ينتظر دائماً ما تقرره الأطراف الخارجية، بل يحتاج إلى بناء توافق داخلي حول القضايا الكبرى: شكل الدولة، وترتيبات المرحلة الانتقالية، وتوزيع الموارد، ومستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية، والقضية الجنوبية، وإعادة الإعمار.

القضية الجنوبية.. جزء من الحل لا هامش فيه

لا يمكن لأي تسوية يمنية مستدامة أن تتجاهل القضية الجنوبية، أو تتعامل معها باعتبارها ملفاً ثانوياً.
فالجنوب يمتلك قضية سياسية، ومطالب مرتبطة بالشراكة والتمثيل والموارد وشكل الدولة ومستقبلها، وأي تسوية لا تعالج هذه الملفات بجدية ستبقى معرضة لإعادة إنتاج الصراع.

وفي المقابل، فإن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع دائم لن يخدم المواطنين في الجنوب أو الشمال، بل سيعمق حالة الانقسام ويستنزف الموارد ويؤخر فرص بناء الدولة.

لذلك، فإن الحوار الجاد، والضمانات السياسية، والشراكة الحقيقية، والاتفاق على ترتيبات عادلة للسلطة والثروة، تبدو عناصر أساسية في أي مقاربة واقعية للمستقبل.

من إدارة الأزمات إلى بناء الحل

المشكلة الكبرى في اليمن ليست غياب المبادرات، بقدر ما هي غياب القدرة على تحويل المبادرات إلى مسار مستدام.
ولهذا فإن الخروج من المأزق يحتاج إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة بناء الحلول.

ويبدأ ذلك أولاً بإحياء مؤسسات الدولة وتوحيد القرار الاقتصادي والمالي قدر الإمكان، ثم تحسين الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وتهيئة بيئة الاستثمار، ودعم القطاعات الإنتاجية.

ويحتاج ثانياً إلى مسار سياسي واقعي يضع حداً للحرب ويعالج جذور الصراع، لا أن يكتفي بترتيبات مؤقتة قابلة للانهيار.

أما ثالثاً، فيتعلق بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهي مهمة لن تتحقق بالخطابات وحدها، وإنما من خلال نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

إعادة الإعمار تبدأ قبل انتهاء الحرب

غالباً ما يُنظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مرحلة تأتي بعد انتهاء الصراع، لكن اليمن يحتاج إلى التفكير فيها منذ الآن.

فإعادة تأهيل الموانئ والمطارات والطرق وشبكات الكهرباء والمياه، وتطوير قطاعي الصحة والتعليم، وإعادة تنشيط المدن والمناطق الاقتصادية، يمكن أن تكون جزءاً من صناعة السلام نفسها.

كما أن توفير فرص العمل للشباب، وإعادة دمج المتضررين من الحرب في الدورة الاقتصادية، ودعم المشروعات الصغيرة، ستكون عوامل مهمة لمنع تحول السلام السياسي إلى مجرد هدنة اجتماعية مؤقتة.
فالسلام الذي لا يجد المواطن ثماره في السوق والمنزل والمدرسة والمستشفى، يبقى سلاماً هشاً.

الفرصة موجودة.. لكن الوقت ليس مفتوحاً

اليمن يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فالأزمات المتراكمة ليست قدراً محتوماً، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تستمر دون تكلفة أكبر. وكل عام يمر من دون معالجة جذرية يضيف طبقة جديدة من التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ومع ذلك، فإن امتلاك اليمن لموقع جغرافي استثنائي، وموارد طبيعية، وموانئ، وطاقات بشرية شابة، وقطاع خاص قادر على العمل، يمنحه مقومات حقيقية للتعافي إذا توفرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة.

المطلوب ليس معجزة، بل قرار سياسي واضح، وإدارة مؤسسية أكثر كفاءة، وتوافق وطني على الأولويات، وشراكة إقليمية ودولية تساعد اليمن على استعادة قدرته على الاعتماد على نفسه.

في النهاية، قد لا تكون المعركة الحقيقية التي تنتظر اليمن بعد سنوات الحرب هي معركة السيطرة على الأرض، وإنما معركة استعادة الدولة والاقتصاد والثقة والأمل.

فإذا استطاع اليمنيون تحويل لحظة التحولات الإقليمية إلى فرصة لبناء تسوية سياسية واقتصادية شاملة، فقد يبدأ البلد رحلة طويلة نحو التعافي.

أما إذا استمرت الأزمات في الدوران داخل الحلقة نفسها، فقد يتحول اليمن من بلد أنهكته الحرب إلى بلد أنهكته تداعياتها، وهي معركة أكثر صعوبة وأطول زمناً.

اليمن أمام فرصة، لكنها ليست فرصة مفتوحة إلى الأبد. فالخروج من المأزق يبدأ حين تتحول إدارة الأزمات من رد فعل مؤقت إلى مشروع وطني لبناء المستقبل



الأكثر زيارة


محافظ الضالع يدشن المخيم الطبي الجراحي الثاني لاستئصال اللوز.

الثلاثاء/25/أغسطس/2026 - 08:27 م

دشن محافظ محافظة الضالع، اللواء الركن أحمد قائد القبة، اليوم، فعاليات المخيم الطبي الجراحي الثاني لاستئصال اللوزتين في مستشفى "الشهداء الثلاثة&qu


خبير عسكري جنوبي: السعودية ارتكبت خطأً إستراتيجياً في الوديع.

الثلاثاء/25/أغسطس/2026 - 04:26 م

أكد المحلل والخبير العسكري الجنوبي، العميد خالد النسي، أن الهجمات الأخيرة التي شنتها جماعة الحوثي واستهدفت معسكرات تضم قوات موالية للمملكة العربية الس


عكاشة: الزبيدي أدرك "الخديعة" مبكراً واختفاؤه سبب "زلزالاً"..

الثلاثاء/25/أغسطس/2026 - 12:32 ص

قال الكاتب والمحلل السياسي محمد عكاشة إن الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي "أدرك الأخطار مبكراً" لذلك جعل منهجه &qu


ترتيبات لمليونية سبتمبر: انتقالي عدن يناقش تجهيزات الذكرى ال.

الثلاثاء/25/أغسطس/2026 - 05:42 م

عقدت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي في العاصمة عدن، اليوم الثلاثاء، اجتماعها الدوري لشهر أغسطس، برئاسة عضو هيئة الرئ