مداد العاصمة



الجيش الجنوبي.. 55 عاماً من البطولة والتضحيات ومسيرة استعادة المؤسسة العسكرية

الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - 12:56 ص

الجيش الجنوبي.. 55 عاماً من البطولة والتضحيات ومسيرة استعادة المؤسسة العسكرية

صوت العاصمة/ كتب/ أبو الليث الحُميدي


في الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، لا تمر المناسبة كذكرى عابرة في روزنامة التاريخ، بل تعود معها حكاية مؤسسة عسكرية ارتبط وجودها بتاريخ الجنوب، وشكّلت على مدى عقود عنواناً للانضباط والتضحية والدفاع عن الأرض، قبل أن تتعرض بعد حرب صيف 1994م للتفكيك والتهميش والإقصاء والأغتيالات، في محاولة لمحو واحدة من أهم مؤسسات الدولة الجنوبية.

كان الهدف من تلك السياسة أكبر من مجرد حل مؤسسة عسكرية؛ فقد استهدفت الإنسان قبل المؤسسة، والكوادر قبل الوحدات، والذاكرة العسكرية قبل السلاح. أُقصي الضباط والجنود، وهُمّشت الخبرات، وتعرض عدد من الكوادر لعمليات اغتيال، بينما وجد الآلاف أنفسهم خارج مؤسساتهم التي أفنوا سنوات عمرهم في خدمتها.

ومع ذلك، لم تنجح تلك السياسات في قتل فكرة الجيش الجنوبي.

فحين اندلعت المقاومة الجنوبية، كانت الحاجة إلى قوة تحمي الأرض وتواجه الخطر أكبر من كل محاولات الإلغاء. ومن رحم المقاومة بدأت أولى اللبنات الجديدة للقوات المسلحة الجنوبية، في ظروف لم تكن تملك فيها ما تملكه الجيوش التقليدية من إمكانات وبنية مؤسسية، وإنما امتلكت الإرادة والمقاتلين والخبرة المتراكمة لدى أبناء الجنوب.

وهنا يبرز اسم الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي بوصفه أحد أبرز القادة الذين تصدوا لمهمة إعادة بناء المؤسسة العسكرية الجنوبية في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً.

فالمهمة لم تكن إعادة ترتيب جيش قائم، وإنما بناء قوة عسكرية من الصفر تقريباً، بعد سنوات طويلة من التهميش والتفكيك وإقصاء الكوادر واغتيال عدد منها، وفي ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الاضطراب.

ومن ساحات المقاومة، بدأ مشروع إعادة البناء. تشكلت الوحدات، وانتظمت التشكيلات، واستُعيدت الخبرات، وبرز جيل جديد من المقاتلين، لتتحول القوات المسلحة الجنوبية تدريجياً من تشكيلات نشأت في ظروف الحرب إلى مؤسسة عسكرية تمتلك حضوراً وقدرة على تنفيذ المهام القتالية والأمنية.

ولم يكن هذا التحول مجرد عملية تنظيم عسكري، بل كان استعادة لجزء من هوية الجنوب المؤسسية التي تعرضت للطمس منذ 1994م.

وقد أثبتت القوات المسلحة الجنوبية خلال سنوات قليلة أنها قادرة على خوض معارك معقدة، ومواجهة التنظيمات الإرهابية، وتأمين مناطق واسعة، والمشاركة في حماية الطرق والمواقع الحيوية، وقطع مسارات تهريب الأسلحة والمخدرات، بما جعلها طرفاً فاعلاً في معادلة الأمن والاستقرار.

وفي حضرموت والمهرة، اكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي والاستراتيجي للمحافظتين، واتساع حدودهما وتشابكهما مع طرق التهريب ومخاطر التنظيمات الإرهابية. وكان الانتشار العسكري والأمني في تلك المناطق اختباراً حقيقياً لقدرة القوات الجنوبية على العمل في مساحات واسعة وبيئات بالغة التعقيد.

لكن الإنجازات التي تحققت لم تخلُ من أثمان وانتكاسات. فقد تعرضت القوات الجنوبية للاستهداف بالطيران السعودي والعماني الغادر وأُجبرت على الانسحاب من مواقع كانت قد أسهمت في تأمينها، الأمر الذي ترك فراغاً أمنياً استغلتْه التنظيمات الإرهابية لاستعادة نشاطها في بعض المناطق.

ومع ذلك، فإن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن ما بُني لم يعد مجرد قوة مؤقتة مرتبطة بظرف معين؛ فقد أصبحت هناك كوادر وتشكيلات وخبرات وتراكم ميداني وجيل عسكري جديد، وهو ما يجعل استعادة وتطوير المؤسسة العسكرية الجنوبية مشروعاً مستمراً لا يرتبط بمرحلة زمنية محددة.

إن ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي هي، في جوهرها، ذكرى أجيال كاملة من الرجال الذين حملوا السلاح دفاعاً عن وطنهم، ثم وجدوا أنفسهم بعد 1994م خارج مؤسساتهم، لكنهم لم يتخلوا عن انتمائهم العسكري ولا عن إيمانهم بأن الجنوب بحاجة إلى جيش يحميه.

ومن هنا، فإن الحديث عن الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي في هذه المناسبة ليس حديثاً عن شخص بمعزل عن المؤسسة، وإنما عن مرحلة ارتبط اسمه فيها بمشروع إعادة بناء القوات المسلحة الجنوبية، واستعادة حضورها بعد أن جرى تفكيكها وإقصاء كوادرها لسنوات طويلة.

لقد أعادت تلك المرحلة الاعتبار لفكرة أن الجنوب لا يستطيع حماية أمنه ومقدراته ومستقبله دون مؤسسة عسكرية جنوبية مهنية ومنظمة، قادرة على الدفاع عن الأرض ومواجهة الإرهاب والتهريب، وحماية المجتمع، والمشاركة في حماية أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

وفي الذكرى الخامسة والخمسين، يقف التاريخ شاهداً على أن الجيوش قد تُحل بقرار، وقد تُقصى كوادرها، وقد تُصادر مؤسساتها، لكن إرادة بناء المؤسسة لا يمكن اقتلاعها من ذاكرة الشعوب.

من جيش تأسس قبل خمسة عقود ونصف، إلى مؤسسة تعرضت للتدمير، ثم إلى قوات أعادت تشكيل نفسها من رحم المقاومة؛ تمتد قصة طويلة عنوانها التضحيات، ويظل الشهداء فيها هم أصحاب الفصل الأهم.

وفي هذه الذكرى، تنحني الرؤوس إجلالاً أمام من قضوا في ميادين الدفاع عن الجنوب، وتُرفع التحية للجرحى والأسرى والمرابطين في مواقعهم، وللضباط والجنود الذين حملوا مسؤولية إعادة بناء مؤسسة عسكرية ظن كثيرون أن الزمن قد طوى صفحتها.

لكن الصفحة لم تُطوَ.

فخمسة وخمسون عامغً لم تكن نهاية الحكاية، بل تاريخاً ما زال يكتب فصوله.

الرحمة والخلود للشهداء،
والشفاء للجرحى،
والحرية للأسرى،
والتحية لرجال القوات المسلحة الجنوبية.



الأكثر زيارة


المحافظ شيخ يتفقد مطار عدن الدولي عقب الاستهداف الصـ.ـاروخي .

السبت/17/أكتوبر/2026 - 01:16 ص

تفقد وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، عبدالرحمن شيخ، مساء اليوم الجمعة، مطار عدن الدولي، للاطلاع على الأضرار التي خلّفها الاستهداف الصاروخي الذي شنّته


ناصر باكازم الدهماء يكتب: دعوة للتكاتف مع أبناء الصبيحة النا.

السبت/17/أكتوبر/2026 - 12:22 ص

دعا الكاتب ناصر باكازم الدهماء أبناء العاصمة عدن وعموم محافظات الجنوب إلى الوقوف إلى جانب إخوانهم أبناء الصبيحة الذين اضطرتهم الظروف الراهنة للنزوح ال


المقرحي يتهم العليمي بالاستعراض ويفضحه في ملف الاتصالات.

السبت/17/أكتوبر/2026 - 01:17 ص

اتهم الناشط السياسي معين المقرحي رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بالفشل في إدارة ملف الاتصالات، واصفاً ظهوره الأخير في مقطع فيديو وهو يجري اتصا


بعد تحليق ساعة في سماء عدن.. 200 راكب يهبطون اضطرارياً في جي.

السبت/17/أكتوبر/2026 - 12:27 ص

حوّلت طائرة تابعة لشركة طيران عدن، المملوكة لمجموعة القطيبي، مسارها إلى مطار جيبوتي للهبوط، عقب تحليقها لأكثر من ساعة في أجواء العاصمة عدن، إثر تعذّر