أخبار محلية



ثروة تحت الأرض وظلام فوقها.. حضرموت ومأرب في مفارقة النفط والكهرباء

الخميس - 03 سبتمبر 2026 - 12:02 ص

ثروة تحت الأرض وظلام فوقها.. حضرموت ومأرب في مفارقة النفط والكهرباء

صوت العاصمة/ حضرموت




في الوقت الذي تلهب فيه موجة الحر مدن اليمن وسواحله وصحاريه، يجد ملايين المواطنين في المحافظات المحررة أنفسهم أمام معركة يومية من نوع آخر، معركة البحث عن ساعات قليلة من الكهرباء وسط منظومة تتراجع قدرتها على الصمود، ومحطات أنهكتها السنوات، وشبكات تآكلت، ووقود يتعثر وصوله، وحلول لا تزال في معظم الأحيان أقرب إلى المعالجات الإسعافية منها إلى مشروع وطني مستدام.

لكن المفارقة الأكثر قسوة لا تظهر في العاصمة عدن وحدها، ولا في المهرة أو أبين أو لحج أو شبوة أو الضالع وتعز، بل تتجلى بصورة صارخة في حضرموت ومأرب، المحافظتين اللتين تمثلان جزءاً مهماً من الثروة النفطية والغازية اليمنية، فيما يعاني سكانهما من انقطاعات الكهرباء وارتفاع الأحمال وتراجع التوليد.

هنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن لمحافظات تنتج النفط والغاز أن تعجز عن توفير الكهرباء لسكانها؟


إنها ليست مجرد مفارقة خدمية، بل صورة مكثفة لأزمة إدارة الموارد في بلد يملك مصادر طبيعية كبيرة، لكنه لا يزال عاجزاً عن تحويلها إلى خدمات مستقرة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

حضرموت.. المحافظة النفطية التي لا تكفيها ثروتها

في حضرموت تبدو أزمة الكهرباء أكثر من مجرد مشكلة تقنية. فالمحافظة التي ارتبط اسمها لعقود بالنفط، وتضم حقولاً ومنشآت إنتاجية مهمة، تعاني في الوقت ذاته من فجوة كبيرة بين احتياجات السكان وقدرات التوليد.

وفي مدن الساحل والوادي، يواجه المواطن صيفاً شديد الحرارة في ظل ساعات طويلة من الانقطاع، فيما ترتفع الأحمال إلى مستويات تتجاوز قدرة المحطات على الاستجابة.

وفي وادي حضرموت، تتضاعف المشكلة بفعل اتساع الرقعة الجغرافية وتباعد المدن والمناطق، إلى جانب تهالك أجزاء من شبكة النقل والتوزيع والحاجة المستمرة إلى الصيانة وقطع الغيار.

أما في الساحل، فإن الاعتماد على محطات متهالكة ومصادر توليد محدودة يجعل المنظومة شديدة الحساسية لأي عطل أو نقص في الوقود.

وهكذا يجد المواطن الحضرمي نفسه أمام معادلة يصعب تفسيرها: ثروة نفطية كبيرة، واحتياجات كهربائية متواضعة مقارنة بحجم الموارد، ومع ذلك لا تزال الكهرباء واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في المحافظة.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بكمية النفط المستخرج، وإنما بالسؤال الأهم: كيف تُدار الموارد؟ وكيف يمكن توظيف جزء أكبر من ثروات المحافظة في بناء بنية تحتية للطاقة تضمن استقرار الخدمة؟

مأرب.. الغاز والنفط في مواجهة الظلام

وإذا كانت حضرموت تمثل المفارقة النفطية، فإن مأرب تقدم نموذجاً آخر للمفارقة نفسها.
فالمحافظة التي تحتضن منشآت نفطية وغازية ومحطة مأرب الغازية، والتي لعبت دوراً محورياً في قطاع الطاقة اليمني، لا تزال تواجه تحديات كبيرة في الكهرباء.

مأرب ليست مجرد محافظة منتجة للطاقة، بل أصبحت خلال سنوات الحرب مركزاً سكانياً واقتصادياً مهماً، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء والمياه والخدمات بصورة كبيرة.

ومع توسع المدن وزيادة عدد السكان والنازحين والنشاط التجاري، لم تعد القدرات القائمة كافية لتغطية الاحتياجات المتزايدة.

كما أن أي اعتداء أو خلل في خطوط النقل أو منشآت الطاقة ينعكس سريعاً على حياة السكان، ويعيد المحافظة إلى دائرة الانقطاعات.

وهنا أيضاً تظهر المفارقة: المحافظة التي تمد البلاد بالطاقة، تواجه هي نفسها أزمة في تأمين طاقة مستقرة لسكانها.

إن استمرار هذه المعادلة يطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها بالبيانات الرسمية أو المعالجات المؤقتة، لأن المواطن يريد أن يرى انعكاس ثروة محافظته على منزله ومدرسته ومستشفاه ومصنعه ومزرعته.

الصيف يكشف هشاشة المنظومة

ارتفاع درجات الحرارة لا يصنع أزمة الكهرباء، لكنه يكشف حجمها. فعندما ترتفع درجات الحرارة، يرتفع الطلب بصورة حادة على أجهزة التكييف والتبريد والمراوح والمياه، وتصل الشبكات إلى أقصى مستويات الضغط.

وفي حضرموت وعدن والمهرة، حيث تتزامن الحرارة المرتفعة مع الرطوبة العالية، تتحول ساعات الانقطاع إلى معاناة حقيقية، خصوصاً بالنسبة لكبار السن والمرضى والأطفال والعاملين في المهن التي تتطلب البقاء في أماكن مفتوحة أو سيئة التهوية.

أما في المناطق الصحراوية، ومنها أجزاء واسعة من حضرموت ومأرب، فإن ارتفاع درجات الحرارة يجعل انقطاع الكهرباء أكثر قسوة.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح تشغيل المكيفات والمراوح والمضخات ضرورة يومية، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة الأحمال، فتزداد الأعطال، وتتسع ساعات الانقطاع، وتدخل المنظومة في حلقة مفرغة.

عدن.. الأزمة التي أصبحت عنواناً للصيف

وفي العاصمة عدن، لم تعد أزمة الكهرباء حدثاً استثنائياً. كل صيف تقريباً، تتكرر القصة نفسها:
ارتفاع في درجات الحرارة، ارتفاع في الأحمال، أعطال في محطات التوليد، نقص أو تأخر في الوقود، ثم ساعات طويلة من الانطفاء.

لكن خصوصية عدن تكمن في كونها العاصمة ومركزاً إدارياً واقتصادياً، ما يجعل استمرار ضعف الكهرباء فيها أكثر من مجرد أزمة خدمية.

فالمستشفيات والمطارات والموانئ والمؤسسات الحكومية والمنشآت التجارية والمصانع والورش والمنازل كلها تعتمد على الكهرباء بدرجات متفاوتة.
ومع كل ساعة انطفاء، تتسع فاتورة الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.

المهرة وشبوة وأبين ولحج.. الأزمة خارج عدسات العاصمة

ولا تتوقف الأزمة عند العاصمة عدن وحضرموت ومأرب. ففي محافظة المهرة، تواجه المنظومة الكهربائية تحديات تتصل بضعف قدرات التوليد واتساع المساحة الجغرافية وارتفاع تكلفة تشغيل المحطات.

وفي شبوة وأبين ولحج والضالع وتعز وسقطرى، تتفاوت المشكلات، لكن النتيجة واحدة تقريباً: خدمة كهربائية غير مستقرة لا تواكب احتياجات السكان.

والخطير أن التركيز الإعلامي والسياسي على العاصمة عدن قد يحجب حجم الأزمة في المحافظات الأخرى.
فالمواطن في المحافظة الطرفية لا يقل احتياجاً للكهرباء عن المواطن في العاصمة.

بل إن بعض المناطق النائية تواجه مشكلات أكبر بسبب ضعف الشبكات وبعدها عن مراكز التوليد وصعوبة توفير الوقود وقطع الغيار.

ليست أزمة وقود فقط

لأكثر من عقد، ظلت أزمة الكهرباء في اليمن تُختزل في الوقود. حيث كلما انقطعت الكهرباء ارتفع السؤال: أين الديزل؟ أين المازوت؟ أين الوقود؟
لكن الواقع يقول إن الوقود يمثل جزءاً واحداً من أزمة أكثر تعقيداً.

هناك محطات تحتاج إلى إعادة تأهيل، وشبكات نقل وتوزيع بحاجة إلى تحديث، ومحولات متهالكة، وفاقد مرتفع، وضعف في التحصيل، ومشكلات مالية متراكمة، وعقود شراء طاقة تحتاج إلى مراجعة، وغياب للاستثمارات الكبيرة في مصادر الطاقة الحديثة.

كما أن الاعتماد المستمر على الحلول الإسعافية جعل الدولة تدور في الحلقة نفسها: محطة تتعطل تُستأجر طاقة مؤقتة، يتأخر الوقود ترتفع الأحمال، تحدث أزمة جديدة ثم تبدأ دورة جديدة من الاجتماعات والتوجيهات.
وهكذا يصبح علاج العرض بديلاً عن علاج المرض.

المفارقة الأكبر: النفط لا يتحول إلى كهرباء

ربما تكون أكثر النقاط إيلاماً في ملف حضرموت ومأرب هي تلك المتعلقة بالموارد.
اليمن بلد يعاني أزمة كهرباء مزمنة، وفي الوقت ذاته يمتلك النفط والغاز ومصادر طبيعية يمكن أن تشكل أساساً لبناء قطاع طاقة أكثر استقراراً.

لكن المشكلة ليست في وجود الموارد وحده. المشكلة في كيفية استثمارها وإدارتها وتوجيه عوائدها نحو القطاعات التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.

فإذا كان النفط والغاز لا يستطيعان المساهمة بصورة كافية في توفير كهرباء مستقرة للمحافظات المنتجة، فإن السؤال لا يعود اقتصادياً فقط، بل يصبح سؤالاً متعلقاً بالعدالة في توزيع الموارد وبأولويات الدولة.

حضرموت لا تحتاج إلى مزيد من الحديث عن النفط، بقدر ما تحتاج إلى أن ترى جزءاً من قيمة هذا النفط يتحول إلى كهرباء ومياه وطرق ومستشفيات وخدمات. ومأرب كذلك.

المواطن لم يعد يحتمل

خلف الأرقام والخطط والاجتماعات يوجد مواطن يعيش التفاصيل القاسية للأزمة.
عامل يعود إلى منزله فلا يجد كهرباء، أسرة تقضي الليل في حرارة خانقة، مريض يحتاج إلى جهاز كهربائي، طفل يحاول النوم في غرفة شديدة الحرارة، صاحب متجر يخسر مواد غذائية بسبب تعطل التبريد، مستشفى يعمل على المولدات ويحسب كل ساعة تشغيل، ومؤسسة تجارية ترفع كلفة خدماتها بسبب الاعتماد المستمر على الوقود والطاقة البديلة.

كل هذه التفاصيل تعني أن أزمة الكهرباء لا تقف عند حدود قطاع الطاقة، بل أزمة معيشة واقتصاد وصحة وتعليم ومياه واستثمار.

المطلوب.. خطة لا موسم طوارئ

ما تحتاجه المحافظات المحررة، وفي مقدمتها العاصمة عدن وحضرموت ومأرب، ليس حلولاً مؤقتة تُستدعى عند اشتداد الصيف.
المطلوب خطة وطنية طويلة المدى للكهرباء تقوم على عدة مسارات متوازية:
إعادة تأهيل محطات التوليد القائمة، وتطوير محطات جديدة تعتمد على الغاز، وتحسين شبكات النقل والتوزيع، وتقليل الفاقد، وتوفير الوقود بصورة منتظمة، وتعزيز الصيانة الوقائية.

وفي حضرموت ومأرب تحديداً، يجب أن تكون الثروة النفطية والغازية جزءاً من الحل، عبر توجيه استثمارات حقيقية نحو مشاريع الطاقة التي تخدم السكان.

سؤال قديم لكل صيف جديد

في كل صيف، تعود الحرارة وتعود معها أزمة الكهرباء. لكن السؤال الذي يجب ألا يعود بالطريقة نفسها هو: متى ستأتي الكهرباء؟
السؤال الحقيقي يجب أن يكون: لماذا لا تزال المحافظات النفطية مثل حضرموت ومأرب عاجزة عن إنتاج كهرباء مستقرة رغم امتلاكها موارد الطاقة؟

ولماذا ما زالت عدن باعتبارها العاصمة تعيش الأزمة نفسها كل عام؟
ولماذا لم تتحول أزمة الكهرباء إلى مشروع وطني واضح له أهداف ومواعيد وتمويل ومسؤوليات محددة؟

إن استمرار أزمة الكهرباء في المحافظات المحررة لا يمكن التعامل معه باعتباره ظرفاً طارئاً. فالمشكلة أصبحت هيكلية، والحلول المؤقتة لم تعد كافية.

وفي حضرموت ومأرب تحديداً، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: ثروة تحت الأرض، وحرارة فوقها، ومواطن يبحث عن الكهرباء.

وبين النفط الذي يُستخرج، والكهرباء التي تنقطع، تقف قضية أكبر من مجرد عطل في محطة أو نقص في الوقود. إنها قضية إدارة موارد، وعدالة تنموية، وأولوية وطنية.

فإذا لم تستطع الدولة تحويل ثروة حضرموت ومأرب إلى طاقة مستقرة وخدمات ملموسة، فإن أزمة الكهرباء ستظل تتجدد كل صيف، بينما يظل المواطن هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن.

وفي بلد أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية، لم يعد مقبولاً أن تبقى الكهرباء ملفاً موسمياً يُفتح عند اشتداد الحرارة ويُغلق مع انحسارها.
فالصيف يتكرر، لكن لا ينبغي أن تتكرر معه الأزمة



الأكثر زيارة


سيناتور أمريكي يوجه اتهامات حادة للرياض بشأن ملف مكافحة الإر.

الأربعاء/02/سبتمبر/2026 - 01:51 ص

اتهم السيناتور الأمريكي كريس مورفي المملكة العربية السعودية بالقيام بتصفية قيادي منشق عن تنظيم «داعش» لمنعه من الكشف عن أسرار ومشتبهات تتعلق بالارتباط


بـ 11 طقماً عسكرياً .. قوة أمنية تداهم منزل قيادي في الانتقا.

الأربعاء/02/سبتمبر/2026 - 05:11 م

أدانت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة حضرموت، بأشد العبارات، الحملة الأمنية المسعورة، والتي تشنها قوات عسكرية وأمنية


بن لغبر: الجنوب لن يدفع أبناءه مجدداً ثمناً لتحالفات بلا ضما.

الأربعاء/02/سبتمبر/2026 - 01:59 ص

أكد الناشط السياسي الجنوبي صلاح بن لغبر أن الجنوب لن يقبل مجدداً إرسال أبنائه إلى حروب جديدة من دون ضمانات واضحة تحمي حقوقه ومستقبل أرضه، مستنداً إلى


هيومن رايتس تدين قمع سلطات الوصاية المظاهرات السلمية بالمكلا.

الثلاثاء/01/سبتمبر/2026 - 11:08 م

تدين مؤسسة هيومن رايتس فاونديشن (HRF) الإجراءات الأمنية والعسكرية التي شهدتها مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، والمتمثلة في إقامة حواجز وانتشار أمني وعسكر