حضرموت والصراع على الزعامة: الحاضنة الشعبية وخيار الهوية الجنوبية
الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - 12:52 ص
صوت العاصمة/ كتب / محمد باقديم
تتحرك حضرموت اليوم في قلب مخاض سياسي وتاريخي كبير، حيث لم تعد مجرد جغرافيا اقتصادية شاسعة، بل أصبحت الرافعة الأساسية والمعيار الحقيقي لحسم الصراع على هوية ومستقبل الجنوب. وفي خضم محاولات قوى متعددة لفرض وصايتها على القرار الحضرمي، تبرز الحاضنة الشعبية العريضة في المحافظة لتؤكد انحيازها الواضح للمشروع الجنوبي والمجلس الانتقالي، باعتباره المظلة القادرة على تحقيق تطلعات الحضارم في إدارة أرضهم بعيداً عن هيمنة المركز.
1. الالتفاف الشعبي حول المشروع الجنوبي
إن التدقيق في المشهد الحضرمي، بعيداً عن التجاذبات السياسية الضيقة، يظهر بوضوح أن الكتلة الشعبية الأكبر والممتدة من الساحل إلى الهضبة ومناطق واسعة في الوادي، تجد نفسها امتداداً طبيعياً للمشروع الجنوبي. ويرتكز هذا التأييد الواسع للمجلس الانتقالي الجنوبي على عدة ركائز شعبية:
إرث المعاناة المشتركة: يرى الشارع الحضرمي في تجربة عقود مضت دافعاً رئيسياً للتمسك بخيار الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية، كسبيل وحيد للتخلص من التهميش ونهب الثروات.
قوات النخبة الحضرمية كرمز وطني: تمثل هذه القوات، المدعومة جنوبياً، صمام الأمان الذي يلتف حوله الحضارم، ويرون في تعميم تجربتها على كافة أرجاء المحافظة مطلباً شعبياً لا مساومة فيه.
2. المليونيات الجماهيرية: الاستفتاء الشعبي لحسم الزعامة
لم تكن الزعامة في حضرموت يوماً مجرد ادعاءات تطلقها الكتل السياسية من الفنادق، بل كانت دائماً تُحسم في الساحات والميادين العامة. لقد تجلى هذا بوضوح في سلسلة المليونيات والفعاليات الحاشدة التي شهدتها مدن حضرموت من المكلا وصولاً إلى سيئون وتريم.
رسائل الحشود الحاشدة: إن خروج عشرات الآلاف في الفعاليات الوطنية الجنوبية حاملين أعلام دولة الجنوب وصور قيادة المجلس الانتقالي، يمثل استفتاءً شعبياً متجدداً يقطع الطريق أمام أي مشاريع مشبوهة تحاول عزل حضرموت عن محيطها.
إسقاط المكونات المصطنعة: أكدت هذه الإرادة الشعبية العارمة أن المحاولات المستمرة لتفاريخ مجالس أو تكتلات هلامية تحت شعارات "الخصوصية المستقلة" لا تعبر عن الحقيقة على الأرض، بل هي مجرد أدوات ممولة تهدف إلى تشتيت الصوت الحضرمي وإبقاء المحافظة تدور في فلك قوى النفوذ التقليدية.
3. معركة السيادة على الثروة: ملف النفط والمنافذ
يرتبط الصراع على الزعامة السياسية في حضرموت ارتباطاً وثيقاً بملف السيطرة على المقدرات الاقتصادية، وعلى رأسها حقول النفط في قطاع المسيلة والمنافذ السيادية كمنفذ الوديعة البري.
وقف استنزاف الموارد: يتبنى الشارع الحضرمي، بالتنسيق مع المجلس الانتقالي، رؤية حاسمة ترفض استمرار تصدير أو نهب النفط الحضرمي لصالح قوى خارج المحافظة، بينما يعاني أبناء الأرض من غياب الخدمات الأساسية وانهيار العملة وتدهور المعيشة.
معادلة "نفط حضرموت للحضارم": أصبح هذا الشعار عقيدة سياسية وشعبية؛ حيث يطالب المجتمع بتمكين الكوادر المحلية من إدارة الشركات النفطية، وتوجيه العائدات لتنمية المحافظة وبناء مؤسسات الدولة الجنوبية الفيدرالية، معتبرين أن السيطرة على الثروة هي الوجه الآخر للسيادة السياسية.
4. معركة الوادي: آخر معاقل النفوذ ومحور الحسم
ينعكس الصراع على الزعامة بشكل حاد في مناطق وادي وصحراء حضرموت، حيث يطالب الحراك الشعبي المتواصل بإخراج قوات المنطقة العسكرية الأولى وإحلال قوات النخبة الحضرمية مكانها.
الغليان الجماهيري المتواصل: تشهد مدن الوادي غلياناً شعبياً وقبلياً مستمراً، يرفع شعارات جنوبية واضحة، للمطالبة بتمكين أبناء الأرض من إدارة ملفهم الأمني والعسكري بشكل كامل.
كسر معادلة فرض الأمر الواقع: يثبت الشارع الحضرمي يوماً بعد يوم أن زعامة القرار في الوادي لن تدوم طويلاً للقوى العسكرية التقليدية، وأن الإرادة الشعبية المنحازة للجنوب هي من ستحدد الكلمة الأخيرة على الأرض.
5. حضرموت في الدولة الجنوبية الفيدرالية المنشودة
تتلاقى الرؤية الشعبية في حضرموت مع الرؤية الإستراتيجية للمجلس الانتقالي الجنوبي في صياغة نظام حكم مستقبلي يضمن إنصاف المحافظة بما يليق بحجمها وتاريخها:
الشراكة الندية الكاملة: التفاف الحضارم حول المجلس الانتقالي لا ينطلق من التبعية، بل من وعي كامل بأن حضرموت هي قائدة المشروع الجنوبي والشريك الأساسي فيه، وليست مجرد تابع.
الحكم الذاتي الواسع: يرى الحضارم مستقبلهم في إطار دولة جنوبية فيدرالية، تحكم فيها حضرموت نفسها بنفسها، وتدير كامل ثرواتها وعائداتها الاقتصادية، وتأخذ موقعها الريادي في قيادة الدولة الجديدة.
خاتمة
في المحصلة، يثبت الواقع أن أي محاولة للالتفاف على خيار الأغلبية الساحقة من أبناء حضرموت المنحازين للمشروع الجنوبي والمجلس الانتقالي هي محاولات محكوم عليها بالفشل. إن زعامة حضرموت حسمتها الجماهير في الساحات والميادين؛ وهي زعامة تقود نحو شراكة جنوبية كاملة الأركان، تصون هوية الأرض، وتحمي الثروة، وتؤسس لمستقبل مستقر تملك فيه حضرموت قرارها السيادي بامتياز.