إيرادات تتضاعف وخدمات تتراجع.. أين تنفق الحكومة أموال المناطق المحررة؟
السبت - 05 سبتمبر 2026 - 12:11 ص
صوت العاصمة/ عدن
في بلد أنهكته الحرب، يفترض أن تعني زيادة الإيرادات الحكومية شيئاً ملموساً في حياة الناس: راتباً يصل في موعده، وكهرباء أكثر استقراراً، وخدمات عامة تتحسن، ومؤسساتٍ أكثر قدرة على القيام بواجباتها.
لكن المشهد في المناطق المحررة يبدو مختلفاً، فالأرقام المالية الرسمية تتحدث عن قفزة كبيرة في الإيرادات، بينما لا تزال المؤشرات المعيشية والخدمية عاجزة عن عكس هذه الزيادة.
وتكشف بيانات البنك المركزي اليمني في العاصمة عدن عن مفارقة لافتة: إيرادات حكومية تتضاعف تقريباً خلال عام، مقابل استمرار أزمات الرواتب والكهرباء والخدمات العامة، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام سؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تدخل خزينة الدولة، وإنما بكيفية إدارتها وأوجه إنفاقها ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.
وبحسب أحدث تقرير للبنك المركزي حول تنفيذ الموازنة العامة للدولة حتى نهاية مايو 2026، بلغت الإيرادات العامة نحو 853 مليار ريال، مقابل نفقات عامة قدرت بنحو 810 مليارات ريال، بما نتج عنه فائض نقدي قدره 42.4 مليار ريال.
ويوضح البنك أن احتساب الموازنة العامة يتم على الأساس النقدي، وهو ما يجعل الفائض المسجل ذا طبيعة هيكلية وفق تفسيره للبيانات.
لكن بعيداً عن التوصيف الفني للفائض، تبدو المقارنة الزمنية أكثر دلالة، إذ تكشف أرقام البنك نفسه عن تغير كبير في حجم الإيرادات خلال عام واحد.
ففي تقريره الشهري لشهر مايو 2025، أشار البنك المركزي إلى أن الإيرادات العامة منذ بداية العام وحتى نهاية مايو بلغت نحو 435 مليار ريال، بينما ارتفعت خلال الفترة ذاتها من العام الحالي إلى 853 مليار ريال.
وبذلك تكون الإيرادات المسجلة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 قد قاربت ضعف ما تم تسجيله خلال الفترة نفسها من 2025.
وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية. إذا كانت الموارد المالية للدولة تتسع بهذا الحجم، فلماذا لا يشعر المواطن بتحسن موازٍ في مستوى الخدمات؟
قفزة في الإيرادات.. لكن أثرها غائب
لا تكمن المشكلة بالضرورة في الرقم المجرد للإيرادات، وإنما في قدرة الحكومة على تحويل الموارد المتاحة إلى نتائج اقتصادية وخدمية محسوسة.
ففي المناطق المحررة، لا تزال ملفات أساسية تراوح مكانها. رواتب الموظفين والقطاعات العسكرية والأمنية تواجه أزمات في الانتظام والصرف، بينما تستمر أزمة الكهرباء باعتبارها واحدة من أكثر الأزمات ضغطاً على الحياة اليومية، خصوصاً في المدن الساحلية التي تعاني أصلاً من ارتفاع درجات الحرارة.
وفي الوقت نفسه، يعاني الاقتصاد المحلي من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، فيما تواجه مؤسسات الدولة أعباء متراكمة نتيجة سنوات الحرب والانقسام المالي والإداري.
وبالتالي، فإن زيادة الإيرادات لا تصبح إنجازاً بحد ذاتها ما لم تنعكس في صورة استقرار مالي وخدمات أفضل ونفقات عامة أكثر كفاءة.
وهذه هي النقطة التي تجعل الأرقام الحالية جديرة بالتحليل، لا بالاحتفاء وحده.
الدولار الجمركي.. مورد إضافي للخزينة
أحد أبرز العوامل التي يمكن أن تفسر الارتفاع الكبير في الإيرادات الحكومية هو قرار تحرير سعر الدولار الجمركي من السعر السابق البالغ 750 ريالاً للدولار إلى السعر السائد في السوق، والذي بدأ تطبيقه منذ مايو الماضي.
ويمثل القرار تحولاً مهماً في آلية احتساب الرسوم الجمركية، إذ يؤدي رفع سعر الدولار المعتمد جمركياً إلى زيادة قيمة الرسوم المحصلة بالريال على السلع والواردات الخاضعة للرسوم.
وبحسب التقديرات الواردة في البيانات المطروحة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع الإيرادات الجمركية الشهرية من نحو 60 مليار ريال إلى أكثر من 120 مليار ريال، أي زيادة تتجاوز 100 في المائة.
وهذا يعني أن الحكومة لا تواجه فقط مسألة تحصيل الإيرادات القائمة، بل أصبحت تمتلك، نظرياً، قدرة أكبر على تعبئة الموارد المحلية.
غير أن زيادة التحصيل الجمركي قد تحمل في المقابل آثاراً اقتصادية على المستهلك والأسواق، إذا انعكست الرسوم المرتفعة على أسعار السلع المستوردة، وهو ما يجعل إدارة هذه الموارد أكثر أهمية، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
المنح السعودية.. عامل آخر في معادلة الإيرادات
ولا تتوقف الصورة عند الإيرادات المحلية. فتقارير البنك المركزي تتضمن أيضاً المنح والمساعدات المالية التي تحصل عليها الحكومة، ومن بينها الدعم السعودي.
وبحسب تقرير البنك المركزي عن العام المالي 2025، بلغت المنح التي حصلت عليها الحكومة نحو 387 مليار ريال.
وفي المقابل، أعلنت المملكة العربية السعودية خلال العام الحالي تقديم دعم للموازنة بنحو ملياري ريال سعودي، وهو مبلغ يعادل، وفق سعر الصرف المشار إليه في البيانات، قرابة 820 مليار ريال يمني.
وبالتالي، فإن حجم الدعم الخارجي المعلن هذا العام وحده يتجاوز بكثير مستوى المنح المسجلة في العام الماضي.
وهنا تتضح المفارقة بصورة أكبر: موارد محلية آخذة في الارتفاع، ومنح خارجية كبيرة، وإيرادات جمركية مرشحة للزيادة، لكن الخدمات الأساسية لا تزال تبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار.
المشكلة في الإيرادات أم في الإنفاق؟
لا تسمح الأرقام المتاحة وحدها بإصدار حكم قاطع بشأن مصير كل ريال يدخل الخزينة، كما لا يمكن اختزال الأزمة الحكومية في سؤال الفساد أو سوء الإدارة دون بيانات تفصيلية تكشف بنود الإنفاق ومسارات الأموال.
لكنها، في المقابل، تسمح بطرح أسئلة مشروعة حول كفاءة إدارة المال العام وأولويات الإنفاق.
فإذا كانت الإيرادات حتى نهاية مايو بلغت 853 مليار ريال، والنفقات 810 مليارات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: كم أنفقت الحكومة؟ بل: أين أنفقت؟ وعلى ماذا؟ وما حجم الإنفاق الذي ذهب إلى الرواتب؟ وكم خصص للكهرباء؟ وما الذي ذهب إلى الصحة والتعليم والخدمات؟ وكم استُهلك في النفقات التشغيلية والإدارية؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها أرقام الإيرادات والنفقات الإجمالية وحدها.
فالإنفاق الحكومي قد يرتفع دون أن يتحسن مستوى الخدمات إذا ذهبت نسبة كبيرة منه إلى بنود لا تنتج أثراً مباشراً على حياة المواطنين، أو إذا كانت النفقات موجهة لسد التزامات طارئة ومتراكمة، أو إذا كانت الموارد موزعة بين مراكز مالية وإدارية متعددة.
ومن هنا تصبح شفافية الموازنة ونشر تفاصيل الإنفاق جزءاً أساسياً من تقييم الأداء الحكومي.
الفائض النقدي.. هل يعني تحسناً مالياً؟
وجود فائض نقدي لا يعني بالضرورة أن الوضع الاقتصادي للحكومة أصبح جيداً. فالدولة قد تسجل فائضاً في فترة زمنية محددة، بينما تعاني في الوقت نفسه من التزامات متراكمة أو فجوات تمويلية كبيرة، خصوصاً في ظل اقتصاد متأثر بالحرب وتوقف صادرات النفط وتعدد مراكز الإيرادات والإنفاق.
ولهذا، فإن قراءة رقم الـ42.4 مليار ريال بمعزل عن السياق الاقتصادي العام قد تقود إلى استنتاج مضلل.
المعيار الأهم هو: هل تستطيع الحكومة الحفاظ على الاستدامة المالية؟ وهل تستطيع تمويل رواتبها وخدماتها الأساسية بصورة منتظمة؟ وهل تستطيع توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر حاجة؟
فالاستقرار المالي لا يقاس فقط بما يتبقى في الخزينة في نهاية فترة محاسبية، وإنما بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وتحويل مواردها إلى سياسات عامة فعالة.
المواطن.. الحلقة التي لا ترى الأرقام
في النهاية، لا تصل الأرقام المالية إلى المواطن بصورتها المجردة.
المواطن لا يقيس أداء الحكومة بحجم الإيرادات المسجلة في تقارير البنك المركزي، وإنما بعدد ساعات الكهرباء، وانتظام الراتب، وأسعار الغذاء، وتوفر الوقود، وكلفة النقل، وجودة المستشفى والمدرسة، وقدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.
ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو الفجوة بين البيانات المالية والواقع اليومي أكثر اتساعاً.
فإذا ارتفعت الإيرادات ولم تتحسن الكهرباء، وإذا زادت المنح ولم تنتظم الرواتب، وإذا تضاعفت الموارد بينما ظل الاقتصاد المحلي يعاني من الاختناق، فإن المشكلة تنتقل من نقص الموارد إلى كيفية إدارة الموارد وتحديد الأولويات.
المعضلة الحقيقية: المال موجود.. لكن النتيجة غائبة
تكمن المفارقة الأساسية في أن الحكومة تبدو، وفق البيانات المتاحة، أمام مساحة مالية أفضل من العام الماضي، لكنها لم تتمكن حتى الآن من ترجمة هذه المساحة إلى تحسن واضح في حياة المواطنين.
وهنا تبرز ثلاثة اختبارات رئيسية أمام الحكومة خلال المرحلة المقبلة:
أولاً: اختبار الشفافية، من خلال الكشف بصورة دورية عن حجم الإيرادات والمنح وأوجه إنفاقها.
ثانياً: اختبار الأولويات، عبر توجيه الموارد نحو الرواتب والخدمات الأساسية والبنية التحتية والقطاعات الأكثر ارتباطاً بحياة الناس.
ثالثاً: اختبار الكفاءة، بحيث لا تتحول زيادة الإيرادات إلى مجرد قدرة أكبر على تمويل نفقات متزايدة، دون أن ينتج عنها تحسن ملموس في الأداء الحكومي.
فالمشكلة في نهاية المطاف ليست أن الحكومة تحصل على موارد أكثر؛ بل أن هذه الموارد كلما ازدادت ترفع سقف توقعات المواطنين معها.
وإذا كانت إيرادات الأشهر الخمسة الأولى من 2026 قد قاربت ضعف مستواها خلال الفترة نفسها من 2025، وإذا كانت المنح الخارجية المعلنة قد ارتفعت بصورة كبيرة، فإن استمرار الأزمات الخدمية والمالية دون تحسن ملموس يجعل السؤال أكثر إلحاحاً:
هل تعاني المناطق المحررة من أزمة موارد فعلاً، أم من أزمة إدارة للموارد؟
وبين السؤالين مسافة كبيرة.
فالأول يحتاج إلى مزيد من المال، أما الثاني فيحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة، وموازنة أكثر شفافية، وإنفاق أكثر انضباطاً، ومساءلة تضع المواطن في مقدمة أولويات الدولة.
وفي بلد يعيش أزمة اقتصادية وحرباً ممتدة، لا يكفي أن تتضاعف الإيرادات على الورق. المطلوب أن تتحول الأرقام إلى كهرباء تصل إلى المنازل، ورواتب تصل إلى الموظفين، وخدمات يشعر بها الناس، واقتصاد يستعيد قدرته على الحركة.
هناك تحديداً يبدأ الفرق بين حكومة تجمع المال وحكومة تعرف كيف توظفه.