تقرير: تجنيد العفر يكشف الوجه الآخر للتمدد الحو.ثي في القرن الأفريقي
السبت - 05 سبتمبر 2026 - 12:12 ص
صوت العاصمة/ متابعات
لا تبدو محاولات مليشيا الحوثي توسيع نشاطها خارج اليمن محصورة في تهديد الملاحة الدولية أو نقل السلاح عبر البحر الأحمر، إذ يكشف تقرير دولي عن مسار أكثر خطورة يتمثل في السعي إلى بناء نفوذ بشري وأمني داخل منطقة القرن الأفريقي، عبر استقطاب أبناء قومية العفر وتحويل الروابط المحلية إلى أدوات للتدريب والتعبئة والتحرك المسلح.
وكشف تقرير حديث بعنوان «من نقطة البداية إلى المركز: الحوثيون في أفريقيا»، ضمن مشروع «ما وراء المحور» التابع لمؤسسة «سينشري إنترناشونال»، عن محاولة مبكرة قامت بها الجماعة لاستقطاب وتجنيد أبناء العفر المنتشرين في جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، ونقل عدد منهم إلى اليمن لتلقي تدريبات عسكرية وفكرية، مقابل وعود بالدعم المالي والسياسي والعسكري.
وبحسب التقرير، ارتبط المشروع بشخصية عفرية تُدعى محمد العوسان، كانت لها صلات بمنظمة البحر الأحمر العفرية الديمقراطية قبل انتقالها إلى اليمن وبناء علاقات مع الحوثيين. وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن الجماعة وفرت للعوسان قاعدة تدريب خاصة في عام 2016، وكلفته بالإشراف على جالية عفرية متنامية، فيما جرى نقل العوسان ومجموعة من أبناء العفر إلى اليمن عبر قوارب من شمال جيبوتي.
غير أن المشروع اصطدم سريعاً بحقيقة مختلفة عن الوعود التي قُدمت للمجندين، إذ وجد بعضهم أنفسهم داخل الحرب اليمنية وعلى جبهاتها، بدلاً من إعدادهم لمشروع سياسي أو تمرد في مناطق العفر بالقرن الأفريقي.
وتحوّل الخلاف إلى أزمة داخلية بين المجموعة والحوثيين، بعدما نظم العوسان احتجاجاً وإضراباً اعتراضاً على طريقة تعامل الجماعة مع المجندين. ووفق التقرير، اعتقلت المليشيا العوسان وعدداً من أتباعه خلال عام 2024، وتعرضوا للتعذيب، قبل إعدام العوسان في العام نفسه، فيما دخل زعماء قبائل عفرية لاحقاً في مفاوضات مع الحوثيين لاستعادة جثمانه وتأمين عودة من تبقى من المجندين.
ورغم انهيار التجربة، فإنها لا تعني، وفق التقرير، انتهاء المساعي الحوثية في المنطقة. فقد أفاد قادة من مجتمع العفر بتلقي اتصالات وعروض جديدة تضمنت التدريب وتوفير السلاح، كان أحدثها خلال عام 2026، بما يشير إلى أن الجماعة تتعامل مع التجربة الأولى باعتبارها محاولة قابلة لإعادة الإنتاج وليس مشروعاً تم التخلي عنه.
وتكتسب هذه التحركات خطورتها من طبيعة المنطقة المستهدفة؛ فالعفر ينتشرون في نطاق جغرافي يربط جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، وهي منطقة تقع على مقربة مباشرة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وبالتالي، فإن بناء علاقات مع جماعات محلية وتطوير شبكات تجنيد وتدريب داخلها يمكن أن يمنح الحوثيين أدوات نفوذ تتجاوز الحدود اليمنية وتلامس أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتتطابق هذه المعطيات مع ما سبق أن كشفته المقاومة الوطنية بشأن نشاط حوثي لاستقطاب أبناء العفر في القرن الأفريقي. فقد أعلنت ضبط شخص إريتري من قبيلة العفر يدعى علي أحمد يعيدي، ظهر في اعترافات مصورة تحدث فيها عن خلايا حوثية لاستقطاب أبناء القبيلة وإرسالهم إلى مناطق سيطرة الجماعة على الساحل الغربي اليمني.
وبحسب تلك الاعترافات، خضع المجندون للتعبئة والتدريب القتالي في اليمن، فيما قُدمت لهم وعود بالحصول على دعم مالي وعسكري لمشروع يستهدف مناطق انتشار العفر في جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، وهي معطيات تتقاطع في جوهرها مع ما أورده التقرير الدولي بشأن محاولات الحوثيين المبكرة لبناء امتدادات بشرية وعسكرية خارج اليمن.
وتكشف هذه الوقائع، في حال صحتها، عن تحول في طريقة تفكير الجماعة؛ فبدلاً من الاكتفاء بإدارة نفوذها داخل مناطق سيطرتها في اليمن، تبدو منشغلة ببناء شبكات محلية في البيئات الهشة المحيطة بالبحر الأحمر، مستفيدة من التهميش الاجتماعي والفقر والانقسامات المحلية لتقديم نفسها كجهة قادرة على توفير المال والسلاح والدعم السياسي.
كما أن تجربة العوسان تكشف الوجه الآخر لهذا المشروع؛ فاستقطاب المجندين تحت عناوين سياسية ثم الدفع بهم إلى الحرب اليمنية يحوّل الوعود بالتغيير إلى عملية تجنيد لخدمة أجندة عسكرية عابرة للحدود. وهو ما يثير مخاوف من استخدام المجتمعات المحلية في القرن الأفريقي كخزانات بشرية لمشروعات الحوثيين الإقليمية.
ولا تقف خطورة هذا المسار عند حدود التجنيد، إذ إن نجاح الجماعة في إنشاء خلايا مرتبطة بها داخل مناطق العفر قد يوفر لها مستقبلاً قنوات للتحرك والتهريب وجمع المعلومات وتسهيل نقل الأفراد والمكونات العسكرية، خصوصاً في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأمنية الإقليمية والدولية.
محاولات الحوثيين في القرن الأفريقي تقدم مؤشراً على أن مشروع الجماعة لم يعد محصوراً في السيطرة على الأرض اليمنية، بل يتجه نحو استثمار الموقع الجغرافي لليمن وشبكات البحر الأحمر لبناء نفوذ خارجي. وبينما فشلت التجربة الأولى مع العفر، فإن استمرار عروض التجنيد والتدريب حتى عام 2026 يوحي بأن الجماعة لا تزال تبحث عن موطئ قدم جديد، ولو عبر مشاريع محلية صغيرة قد تتحول مع الوقت إلى أدوات نفوذ أكثر اتساعاً