حين تتوحّد المصالح… ويُترك الوطن وحيدًا
السبت - 12 سبتمبر 2026 - 12:51 ص
صوت العاصمة/ كتب / غالب حمود الشاوي
حين يحضر الكرسي، تسقط الأقنعة، وتباع المبادئ بأبخس الأثمان. وما نشهده اليوم في الجزيرة ليس مجرد تبدل في المواقف، بل سقوطٌ للكثير من الشعارات التي صدعوا بها رؤوس الناس لسنوات.
أعداء الأمس يجلسون اليوم على طاولة واحدة، ويتبادلون الابتسامات وكأن الخصومة التي ملأت الساحات لم تكن سوى فصلٍ عابر من مسرحية المصالح. وهنا يحق للناس أن يسألوا: إذا كان الوطن هو القضية، فلماذا اختلفتم بالأمس؟ وإذا كان الوطن هو الغاية، فلماذا اتحدتم اليوم؟
لقد كشفت الأيام أن بعضهم لم يختلف من أجل الوطن، وإنما اختلف من أجل موقعه ونفوذه وحصته من المشهد، ولم يتحد اليوم من أجل إنقاذ الجزيرة، وإنما حين وجد أن مصالحه تقتضي أن يجتمع مع خصم الأمس.
وفي المقابل، تقف الجزيرة أمام واقعٍ لا يحتمل المزيد من المزايدات. خدمات تتراجع، وأزماتٌ تتراكم، ومواطنٌ يراقب المشهد وهو يسأل: أين الوعود؟ وأين المشاريع؟ وأين من جعلوا من معاناة الناس سلّمًا للصعود إلى مواقع القرار؟
الجزيرة لا تحتاج إلى المزيد من الخطب والشعارات، ولا إلى وجوهٍ تتبدل مواقفها بتبدّل اتجاه الريح. إنها تحتاج إلى موقفٍ صادق، وإدارة مسؤولة، وخدماتٍ تحفظ كرامة الإنسان، ومشروعٍ واضح يضع مصلحة أهل الجزيرة فوق حسابات الأشخاص والجماعات.
لقد مل الناس من معارك السياسيين التي تبدأ باسم الوطن وتنتهي عند أبواب الكراسي. ملّوا من الذين يرفعون راية المبادئ عندما تكون خارج السلطة، ثم ينسونها عند أول فرصة للجلوس على مقعدٍ مريح.
الجزيرة اليوم تختبر الجميع.
ومن أراد أن يعرف معدن الرجال، فلا ينظر إلى خطاباتهم عندما تكون الكاميرات أمامهم، بل إلى مواقفهم عندما تكون مصلحة الناس في خطر.
فالوطن لا يحتاج إلى من يتحدون عندما تتقاطع مصالحهم، ولا إلى من يختلفون عندما تختلف حصصهم؛ الوطن يحتاج إلى رجالٍ يختلفون من أجله، ويتحدون من أجله، ويتنازلون من أجله.
أما أن يختلف أعداء الأمس على الوطن، ثم يتصالحوا على الكرسي، فهذه ليست سياسة… هذه تجارة بالمبادئ، والوطن هو البضاعة التي يدفع ثمنها المواطن.