الجنوب لم يغادر المعادلة حتى يعود إليها
الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - 12:43 ص
صوت العاصمة/ كتب / أصيل هاشم
ثلاثة أشهر فقط كانت كافية حتى يسقط القناع عن كثير من الحسابات السياسية الساذجة.
عندما حذّر الرئيس عيدروس الزُبيدي من خطورة استهداف باب المندب، ومن العبث بالقوات الجنوبية وتفكيكها على الساحل، خرج بعض المتذاكين ليتهكموا ويستخفوا بالتحذير، وكأن الرجل يتحدث عن قضية هامشية لا علاقة لها بأمن المنطقة.
واليوم؟
الخطر يقترب من باب المندب، والبحر الأحمر يغلي، وكل الذين كانوا يضحكون بالأمس بدأوا يكتشفون أن الجغرافيا لا تُدار بالتغريدات، وأن الأمن القومي لا يُبنى على أوهام السياسيين.
قلناها وسنكررها:
من أراد حماية باب المندب فليتوقف عن تجاهل الجنوب.
ومن أراد تأمين البحر الأحمر فليبحث عن القوة الموجودة على الأرض، لا عن تشكيلات ورقية تُصنع في الفنادق والمكاتب.
ومن أراد مواجهة الحوثي والنفوذ الإيراني، فليتوقف عن سياسة إضعاف القوات الجنوبية ثم البحث عنها عندما تشتعل النيران.
أما سياسة «نُقصي الجنوب ثم نستدعيه عندما نحتاجه» فقد انتهى زمنها.
الجنوب ليس بندًا ثانويًا في بياناتهم، وليس قوة احتياطية يستدعونها وقت الكارثة ثم يرمونها بعد انتهاء الخطر.
والأهم من ذلك كله:
عيدروس الزُبيدي لم يكن بحاجة إلى ثلاثة أشهر حتى يثبت أنه كان يرى أبعد من الذين كانوا يسخرون منه. الأحداث هي التي بدأت تشرح كلامه نيابةً عنه.
واليوم على الذين كانوا يستهزئون أن يجيبوا:
أين كانت قراءتكم للمشهد؟
أين كانت حساباتكم؟
وأين هي خططكم العبقرية عندما بدأت الجغرافيا تفرض نفسها بالقوة؟
لقد حاولتم إبعاد الجنوب من المعادلة، فإذا بالواقع يعيد وضعه في قلبها.
حاولتم تجاوز المجلس الانتقالي، فإذا بالأحداث تذكّركم بأن تجاهل الطرف الجنوبي لا يلغي وجوده.
حاولتم التعامل مع عيدروس الزُبيدي كأنه مجرد اسم في خلاف سياسي، فإذا بملف باب المندب والأمن البحري يعيد تعريف أهمية الجنوب أمام الإقليم والعالم.
فلا تستغربوا إذا عاد الجنوب إلى قلب المشهد أقوى مما كان.
ولا تستغربوا إذا اضطر الذين حاولوا إقصاءه إلى الجلوس معه غدًا، بعدما كانوا بالأمس يتعاملون معه وكأنه لا يستحق حتى أن يُسمع صوته.
هذه ليست شماتة.
هذه فاتورة الحساب السياسي.
ومن يستهين بالجغرافيا، تدفعه الجغرافيا إلى مراجعة حساباته رغماً عنه.
الجنوب لم يغادر المعادلة حتى يعود إليها… أنتم فقط كنتم تحاولون إقناع أنفسكم بأنه خرج منها.