الطريق الذي لا نراه بين الـ.ـحرب والدولة
الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - 01:17 ص
صوت العاصمة/ بقلم: صدام عبيد يسر الزبيدي
هناك طريق بين الحرب والدولة لا يظهر في الخرائط ولا تحدده نقاط التفتيش ولا ترسمه الاتفاقيات السياسية.
إنه الطريق الذي يبدأ من سؤال الإنسان: ماذا نريد بعد أن تتوقف الحرب؟
في الجنوب يبدو هذا السؤال أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن نهاية للقتال فالحرب بالنسبة للجنوبيين لم تكن حدثا عسكريا منفصلا عن الذاكرة السياسية والاجتماعية بل تجربة تركت آثارها على مفهوم الدولة وعلى علاقة المواطن بالسلطة وعلى معنى الأمن والعدالة والانتماء.
ولهذا فإن الحديث عن المستقبل لا يمكن أن يبدأ من تجاهل الماضي كما لا يمكن أن يبقى أسيرا له.
المشكلة أن العالم غالبا ما ينظر إلى الحروب من لحظة اندلاعها، ثم يبحث عن اتفاق ينهيها لكن الشعوب لا تعيش الحرب بهذه البساطة.
فالحرب تترك وراءها أسئلة أكبر من سؤال السلاح:
من يحكم؟
بأي شرعية؟
كيف توزع الموارد؟
كيف تحمى الحقوق؟
من يضمن العدالة؟
وكيف يمكن لمجتمع خرج من سنوات الصراع أن يثق بمؤسسات الدولة من جديد؟
هذه الأسئلة هي الطريق الذي لا نراه بين الحرب والدولة.
وفي الجنوب تحديدا لا يمكن فهم المستقبل السياسي من دون فهم التجربة الجنوبية نفسها بما تحمله من ذاكرة سياسية وشعور بالخصوصية ومطالب متعلقة بمستقبل الجنوب وشكل العلاقة السياسية مع بقية اليمن.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن المستقبل يمكن أن يبنى على الذاكرة وحدها.
فالذاكرة تفسر كثيرا من المواقف، لكنها لا تبني المؤسسات.
والشعارات قد تعبر عن تطلعات الشعوب لكنها لا توفر الكهرباء والماء والتعليم والصحة والقضاء.
الدولة التي يبحث عنها المواطن في النهاية ليست مجرد اسم على ورقة وإنما مؤسسات يشعر بوجودها في حياته اليومية.
وهنا تظهر المسألة الأصعب.
يمكن أن تتوقف المعارك، لكن هل تتوقف أسباب النزاع؟
يمكن أن توقع الأطراف اتفاقا لكن هل تستطيع المؤسسات تنفيذ الاتفاق؟
يمكن أن تتغير الحكومات لكن هل تتغير طريقة ادارة الدولة؟
إذا كانت الإجابة لا فإن الحرب قد تصمت بينما يبقى منطق الحرب حاضرا داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
السلام الحقيقي لا يبدأ عندما تصمت البنادق فقط بل عندما يصبح اللجوء إلى القوة أقل ضرورة من اللجوء إلى القانون.
وهذا يتطلب أكثر من تسوية سياسية.
يتطلب بناء مؤسسات يشعر المواطن أنها تخصه وتحاسبه وتحميه في الوقت نفسه.
وفي الجنوب كما في بقية مناطق اليمن تصبح قضية الموارد جزءا أساسيا من هذا النقاش.
فالثروة التي لا تتحول إلى حياة أفضل للناس تتحول مع الوقت إلى سؤال سياسي.
والميناء الذي لا يستفيد منه المجتمع والأرض التي لا تنعكس قيمتها على سكانها والموارد التي لا يعرف المواطن أين تذهب كلها تزيد المسافة بين الإنسان والدولة.
لذلك فإن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يناقش فقط من زاوية من يحكم، وإنما أيضا من زاوية كيف يحكم ولمن وبأي مؤسسات وتحت أي قواعد للمساءلة.
هذه الأسئلة لا تلغي السياسة، بل تجعلها أكثر جدية.
فالسياسة ليست فقط صراعا على السلطة، وإنما أيضا اتفاق على كيفية إدارة الاختلاف.
وهنا ربما يكون الدرس الأهم من سنوات الحرب: لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا اعتقد كل طرف أن وجوده لا يتحقق إلا بإلغاء الطرف الآخر.
الدولة الحديثة يفترض أن تكون المساحة التي يستطيع فيها المختلفون أن يعيشوا معا من دون أن يتحول اختلافهم إلى حرب.
ولهذا فإن الطريق بين الحرب والدولة يمر عبر الاعتراف بالاختلاف، وبناء قواعد سياسية واضحة وضمان الحقوق وإيجاد مؤسسات قادرة على تطبيق القانون.
أما تجاهل الاختلاف فإنه لا يصنع الوحدة.
وتجاهل المظالم لا يصنع الاستقرار.
وتأجيل الأسئلة الكبرى لا يلغيها.
بل قد يجعلها أكثر تعقيد.
ومن الجنوب يمكن النظر إلى هذه المسألة بوضوح شديد: المستقبل لا ينبغي أن يكون مجرد عودة إلى ما قبل الحرب لأن ما قبل الحرب نفسه كان يحمل أزمات لم تحل.
المطلوب هو التفكير في المستقبل باعتباره مرحلة مختلفة تقوم على معالجة جذور المشكلات لا إعادة إنتاجها.
وهنا لا بد من سؤال فلسفي قبل أن يكون سياسيا:
هل نريد دولة تنهي الحرب أم نريد دولة تجعل الحرب أقل احتمالا؟
الفرق بين السؤالين كبير.
الدولة التي تنهي الحرب قد تنجح في إيقاف القتال.
أما الدولة التي تجعل الحرب أقل احتمالا فهي التي تبني مؤسسات عادلة وتضمن الحقوق وتدير الموارد بشفافية وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية وتحول الاختلاف من سبب للصراع إلى جزء طبيعي من الحياة السياسية.
ذلك هو الطريق الذي لا نراه عادة.
إنه الطريق الطويل بين توقيع الاتفاق وبين بناء الثقة.
بين انتهاء المعركة وبين ولادة الدولة.
بين أن يعيش الإنسان بلا رصاصة فوق رأسه وبين أن يشعر فعلا أن له مستقبلا.
وفي الجنوب كما في اليمن كله ربما يكون التحدي الحقيقي ليس فقط أن نعرف كيف تنتهي الحرب وإنما أن نعرف أي دولة نريد أن تأتي بعدها.
فالحرب قد تنتهي بقرار سياسي.
لكن الدولة لا تولد بقرار.
الدولة تُبنى يوما بعد يوم.
تبنى بالقانون وبالمؤسسات وبالعدالة وبالخدمات وباحترام الإنسان.
وإذا كان هناك طريق يجب أن نبحث عنه اليوم فهو ذلك الطريق الذي يبدأ من ذاكرة الحرب لكنه لا يتوقف عندها يعترف بالاختلاف لكنه لا يحوله إلى عداوة ويحلم بالدولة لكنه يقيسها بما تقدمه للإنسان.
ذلك هو الطريق الذي لا نراه بين الحرب والدولة.
وربما يكون هو الطريق الوحيد الذي يستحق أن نمشيه حتى النهاية.