مداد العاصمة



باب المندب بين رواية التحرير وحقيقة المصالح

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - 12:13 ص

باب المندب بين رواية التحرير وحقيقة المصالح

صوت العاصمة/ كتب / صالح حقروص


منذ سيطرة الحوثيين على المخا والمناطق الساحلية واقترابهم من باب المندب، ظل سؤال كبير بلا إجابة واضحة: كيف تحولت عملية قيل إنها تستهدف تحرير صنعاء إلى واقع انتهى بتمكين الحوثيين من الاقتراب من واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة؟


حتى اليوم، لم تُقدَّم رواية رسمية مقنعة تشرح للرأي العام ما جرى. كل ما ظهر كان تبادلًا للاتهامات، وحديثًا عن الخيانة والخذلان والانهيار، بينما بقيت الأسئلة الأهم بلا إجابة.


هل كان الهدف فعلًا هو تحرير صنعاء؟ أم أن تحرير العاصمة كان مجرد عنوان إعلامي لعملية كانت لها حسابات أخرى؟


أنا هنا لا أطرح إجابة نهائية، وإنما أضع النتائج أمام الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.



رواية تحرير صنعاء


قبل سقوط المخا، كان الخطاب الإعلامي الموجّه للرأي العام يرسم صورة توحي بأن الطريق إلى صنعاء أصبح قريبًا، وأن العمليات العسكرية الجارية ليست سوى مقدمة لتحرير العاصمة.

لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا تمامًا.

فبدلًا من التقدم نحو صنعاء، انتهى المسار إلى تراجع القوات المناهضة للحوثيين من مناطق ساحلية مهمة، وإتاحة المجال أمام الحوثيين للتقدم باتجاه باب المندب.



وهنا يصبح السؤال مشروعًا:


إذا كانت صنعاء هي الهدف، فلماذا كانت النتيجة تعزيز موقع الحوثيين في الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب؟


قد يكون ذلك مجرد نتيجة لفشل عسكري أو سوء تقدير سياسي. وقد يكون وراءه شيء آخر. لكن المؤكد أن الفارق بين الهدف المعلن والنتيجة التي تحققت يستحق التحقيق، لا التجاهل.



من المستفيد من سقوط المخا؟


في السياسة، لا تكفي معرفة من أطلق الرصاصة؛ بل يجب أيضًا النظر إلى من استفاد من نتائجها.


وسقوط المخا لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا. فالمخا وباب المندب يمثلان موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، والسيطرة عليهما تمنح أي طرف أوراقًا سياسية وعسكرية تتجاوز حدود اليمن.

وفي المقابل، كان خروج طارق صالح وقواته من المخا يعني إبعاد قوة عسكرية وسياسية كانت تمثل طرفًا مستقلًا نسبيًا عن بعض مراكز النفوذ الأخرى.



ومن هنا تظهر فرضية تستحق النقاش: هل كان إضعاف طارق صالح وإخراجه من الساحل أحد الأهداف غير المعلنة للعملية؟


لا توجد، حتى الآن، أمام الرأي العام أدلة كافية تسمح بتحويل هذه الفرضية إلى حقيقة ثابتة، لكنها تظل سؤالًا سياسيًا مشروعًا في ظل النتائج التي ترتبت على ما حدث.


الحوثي وباب المندب... الورقة الأخطر


لا يحتاج الحوثيون إلى شرح أهمية باب المندب.


فالوصول إلى هذه المنطقة يمنحهم ورقة ضغط تتجاوز الصراع اليمني الداخلي، وتضع أمن الملاحة الدولية في صلب أي مواجهة أو مفاوضات مستقبلية.


وهنا تتغير طبيعة المعادلة.


فالطرف الذي يمتلك القدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لا يعود مجرد طرف في حرب أهلية، وإنما يتحول إلى لاعب يملك ورقة يمكن استخدامها في التفاوض مع قوى إقليمية ودولية.


وهذا بالضبط ما يجعل مسألة وصول الحوثيين إلى باب المندب أخطر بكثير من مجرد خسارة مدينة أو موقع عسكري.



من يدفع ثمن المعادلة الجديدة؟


إذا استمر هذا المسار، فإن اليمنيين هم أول من سيدفع الثمن.

فالجنوب والساحل الغربي ومناطق النفوذ المختلفة تحولت خلال السنوات الماضية إلى ساحات لتنافس قوى محلية وإقليمية، بينما ظل المواطن اليمني خارج طاولة صناعة القرار.

وكل طرف يرفع شعار مواجهة الحوثيين، لكن النتيجة في كثير من الأحيان تكون إعادة توزيع مناطق النفوذ بين أطراف يفترض أنها في المعسكر نفسه.



وهنا تكمن المفارقة الأكبر:


كيف يمكن أن تتعدد القوى التي تقول إنها تقاتل من أجل استعادة الدولة، بينما تتسع في الوقت نفسه مناطق النفوذ الخاصة بكل طرف؟


اتفاق الرياض... سؤال آخر في المشهد

لا يمكن فصل هذه التطورات عن المسار السياسي الذي أعقب اتفاق الرياض عام 2019 بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي.



فالاتفاق كان يفترض أن يكون إطارًا لتنظيم العلاقة بين الأطراف المناهضة للحوثيين، إلا أن استمرار الخلافات وعدم تنفيذ بنوده بصورة كاملة جعلا المشهد أكثر تعقيدًا.


ومن هنا ظهرت لاحقًا قراءات تتحدث عن تفاهمات إقليمية تتجاوز الاتفاقات المعلنة، وعن ترتيبات لإعادة توزيع النفوذ في اليمن.


أما الحديث عن وجود اتفاق سري في مسقط بين السعودية والحوثيين يتضمن تقسيم مناطق النفوذ، فهو ادعاء سياسي يحتاج إلى وثائق وأدلة واضحة، ولا ينبغي تقديمه للرأي العام باعتباره حقيقة ثابتة دون إثبات.


لكن مجرد تداول هذه الرواية يكشف حجم انعدام الثقة الذي أصبحت تعاني منه الأطراف اليمنية تجاه التحركات الإقليمية.


السؤال الذي يجب ألا نهرب منه


المشكلة ليست فقط في أن المخا سقطت، ولا في أن الحوثيين اقتربوا من باب المندب.


المشكلة الحقيقية هي أن الشعب اليمني لم يحصل على تفسير واضح لما حدث.



من أصدر الأوامر؟


لماذا لم تُدعَم القوات الموجودة هناك؟


لماذا تحولت العملية من حديث عن الاقتراب من صنعاء إلى تراجع أمام الحوثيين؟


من اتخذ قرار الانسحاب؟


ولماذا لم تُقدَّم للرأي العام رواية رسمية متماسكة؟



هذه الأسئلة أهم من كل الاتهامات المتبادلة.


فإذا كان ما حدث مجرد فشل عسكري، فليُقال ذلك بصراحة.


وإذا كان نتيجة خلافات بين القوى المناهضة للحوثيين، فليُكشف ذلك.


وإذا كانت هناك ترتيبات سياسية إقليمية أثرت في مسار الأحداث، فمن حق اليمنيين أن يعرفوا حقيقتها.


الخلاصة


باب المندب ليس مجرد موقع جغرافي على الخريطة، والمخا ليست مجرد مدينة سقطت في معركة.


إنها عقدة استراتيجية تختلط فيها مصالح اليمن بالقوى الإقليمية والدولية.


ولهذا فإن اختزال ما حدث في عبارة �خيانة� أو �خذلان� لا يقدم تفسيرًا كافيًا.


قد تكون هناك أخطاء عسكرية، وقد تكون هناك صراعات نفوذ، وقد تكون هناك تفاهمات سياسية لا نعرف تفاصيلها، وقد تكون النتائج ببساطة أكبر من قدرة الأطراف على التحكم بها.


لكن المؤكد أن النتيجة النهائية تستحق تحقيقًا جادًا، لا روايات جاهزة.


فاليمني الذي خسر أرضه وبيته ومستقبل أبنائه يستحق أن يعرف: هل كانت المعركة فعلًا من أجل تحرير صنعاء، أم أن صنعاء وباب المندب كانتا مجرد أوراق في لعبة أكبر من اليمنيين أنفسهم؟




الأكثر زيارة


انفجارات عنيفة تهز صنعاء..

السبت/26/سبتمبر/2026 - 11:40 ص

هزّت انفجارات عنيفة أجزاء متفرقة من العاصمة صنعاء، فجر اليوم السبت، وسط غموض بشأن مصدرها والجهة التي تقف وراءها. وأفادت مصادر محلية وشهود عيان بسماع د


تصاعد انقطاع الكهرباء الى ١٠ ساعات في العاصمة عدن.

الجمعة/25/سبتمبر/2026 - 11:09 م

تتصاعد ساعات انقطاع التيار الكهربائي في العاصمة عدن، لتصل إلى نحو 10 ساعات انقطاع، وسط موجة الحر الشديدة التي تشهدها المدينة، ما يزيد من معاناة المواط


الحو.ثي يقر بخسارة أحد أبرز قيادات ألوية النصر بنيران القوات.

السبت/26/سبتمبر/2026 - 01:40 ص

أقرت مليشيا الحوثي الإرهابية ، بمصرع القيادي الميداني المنتحل رتبة عقيد / بكيل علي محمد الوراصي. وأفادت مصادر تابعة للمليشيا أن الوراصي، الذي يشغل قيا


أمطار رعدية وأجواء شديدة الحرارة تضرب هذه المناطق خلال الساع.

السبت/26/سبتمبر/2026 - 03:13 م

توقّع مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، اليوم السبت، أن تشهد المناطق الساحلية والقريبة منها، طقس غائم جزئ