الجنوب : وطنٌ لا ورقة، وحقٌّ لا منّة كفى مزايداتٍ ونفاقًا... فكلهم نسخٌ واحدة
الأحد - 27 سبتمبر 2026 - 12:48 ص
صوت العاصمة/ بقلم : الصحفي صالح حقروص
في الأيام القليلة الماضية، راح أنصار الحوثي يروّجون لفكرة تقول: «نحن نحترم أبناء الجنوب، والحوثي لن يدخل الجنوب، ولكن لا تسمحوا لأحد أن يستخدم أرضكم في العدوان على الشمال، واطردوا قوات الإخوان، ولا تدعوا السعودية تستخدمكم في حربها ضد الحوثي». كلام معسول، لكنه ليس جديدًا، ولا بريئًا.
فهذا الأسلوب نفسه مارسه الإخوان قبل الحوثي. في ثورة إسقاط النظام عام 2011، سمعنا علي محسن الأحمر وتوكل كرمان وغيرهما يتحدثون عن ظلم الجنوب، ويرفعون شعارات حل القضية الجنوبية. لكنه كان استهلاكًا إعلاميًا. وما إن وصلوا إلى السلطة، حتى جاء أغسطس 2019، فغزوا الجنوب في «غزوة خيبر»، محاولين احتلاله ومنع استعادة دولته وعاصمتها عدن. لكن صمود أبناء الجنوب، ودعم الطيران الإماراتي، أفشل تلك الغزوة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ طالب الإخوان بإخراج الإمارات من التحالف، فقط لأنها دعمت الجنوبيين وبنَت لهم جيشًا قويًا حرّر الجنوب في 2015 من مليشيات الحوثي وعفاش. وعندما نجحت القوات الجنوبية في نهاية 2025 في تحرير حضرموت والمهرة، وإخراج قوات الاحتلال الشمالية، وأصبحت تسيطر على كامل جغرافيا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لم يبقَ سوى إعلان الاستقلال. وما إن أعلن عيدروس الزبيدي الإعلان الدستوري في 2 يناير 2026، حتى تكرر مشهد 1994: حرب، وقصف، وإخراج بالقوة، بدعم من الطيران السعودي، وقتل المئات، لمنع استقلال الجنوب، وإخفاء نهب النفط في حضرموت.
هذا طبع من توحدوا مع الجنوب في 1990. الرئيس الشمالي علي عبدالله صالح قالها بصراحة: الجنوب فيه ثروات نفطية وغازية، وسنعمل على سلب الاعتراف الدولي بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتهميش الجنوبيين، ونهب الثروات. وعندما أعلن علي سالم البيض فك الارتباط، لم يتقبلوا ذلك، بل شنوا حرب 1994، واحتلوا الجنوب، وفرضوا الوحدة بالقوة.
واليوم، يكرر الحوثي الخطاب نفسه. كان يردده في صعدة، وعندما وصل إلى السلطة جاء في 2015 غازيًا للجنوب مع قوات عفاش. بل أبرم صفقة سرية مع السعودية في مسقط، لتقاسم الكعكة الجنوبية بين السعودية والحوثي والإخوان، بما يضمن منع الاستقلال واستمرار النهب.
الحقيقة واضحة: لا تصدق أي شمالي، مهما قال من كلام معسول عن الجنوب. فمهما قال، فهو ضد استقلال الجنوب واستعادة دولته وعاصمتها عدن. وسيستخدم كل نفوذه وقوته لمنع ذلك، ولو قدّم تنازلات كبيرة لدول كبرى وإقليمية، كما فعل علي عبدالله صالح في معاهدة جدة عام 2000، حين تنازل عن جيزان ونجران وعسير والشرورة والوديعة وخرخير وعروق الشيبة وغيرها، مقابل دعم سعودي لبقاء الوحدة ومنع استقلال الجنوب.
إن القضية الجنوبية ليست منّة من أحد، ولا ورقة في صراع الآخرين.
ومن يريد أن يفهم، فليقرأ التاريخ جيدًا: منذ 1994 حتى اللحظة، ظل استقلال الجنوب محجوبًا بقوة السلاح والنفاق السياسي. وكفى مزايدات.