الجنوب يرفع راية التعبئة.. مواقف سياسية ومجتمعية وقبلية تتجه نحو إسناد جبهات المواجهة
الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - 12:20 ص
صوت العاصمة / تقرير/ غازي العلوي:
ثلاثة أيام تعيد رسم خطوط النار..
هل بدأت مرحلة استعادة زمام المبادرة؟
أيام سوداء تنتظر الحوثي
تشهد الساحة اليمنية منذ أيام تحولًا متسارعًا في مسار المواجهات مع مليشيا الحوثي، بعدما انتقلت المعركة من مرحلة الهجمات ومحاولات التوسع التي نفذتها الجماعة خلال الأسابيع الماضية إلى مرحلة استعادة المواقع واحتواء التمدد على أكثر من جبهة.
وخلال الأيام الثلاثة الأخيرة، برزت تطورات ميدانية متزامنة في تعز ولحج ومأرب والجوف، بالتوازي مع تصاعد التحرك السياسي والإقليمي والدولي تجاه جماعة الحوثي، في وقت أعلنت فيه القيادة السياسية اليمنية التعبئة العامة، وبرزت في الجنوب حالة واسعة من رفع الجاهزية وإسناد القوات المسلحة الجنوبية في جبهات المواجهة.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن المعركة دخلت مرحلة جديدة، عنوانها إعادة ترتيب خطوط المواجهة، واستعادة المواقع التي فقدتها القوات المناهضة للحوثيين، ومنع الجماعة من تثبيت المكاسب التي حققتها في الساحل الغربي ومحيط باب المندب.
الميدان يقلب حسابات الحوثيين
على الأرض، شهدت جبهات القتال خلال الساعات والأيام الماضية معارك عنيفة أسفرت عن استعادة مواقع كانت قد سقطت في أيدي الحوثيين، خصوصًا في محاور تعز ولحج.
وأعلنت القوات الحكومية استعادة مرتفعات جبلية في تعز ولحج، في عملية شاركت فيها قوات درع الوطن وقوات العمالقة ورجال القبائل، فيما تحدثت مصادر ميدانية عن استعادة مواقع أخرى غرب تعز واستهداف تجمعات وآليات حوثية في مأرب والجوف.
وفي جبهة كهبوب بمحافظة لحج، القريبة من مضيق باب المندب، تواصلت المواجهات بصورة مكثفة، حيث تصدت القوات الجنوبية والقوات الحكومية لمحاولات حوثية للتقدم، بينما شهدت الجبهة عمليات أسر واستهداف لقيادات وآليات تابعة للجماعة. وكانت قوات العمالقة الجنوبية قد أعلنت أسر قيادي حوثي وأحد مرافقيه خلال مواجهات الجبهة.
وتكتسب كهبوب أهمية استثنائية في خريطة المواجهة، باعتبارها منطقة جبلية تشرف على باب المندب، الأمر الذي جعلها خلال الأسابيع الماضية أحد أبرز محاور الصراع بين الحوثيين والقوات المناهضة لهم.
من التقدم الحوثي إلى معركة استعادة المواقع
كانت جماعة الحوثي قد حققت خلال سبتمبر تقدمًا ميدانيًا سريعًا على الساحل الغربي، شمل المخا ومناطق أخرى باتجاه باب المندب، قبل أن تتحول الجبهات إلى ساحة هجمات مضادة ومحاولات لوقف هذا التوسع.
وفي المقابل، أظهرت التطورات اللاحقة أن السيطرة على بعض المواقع لم تكن كافية بالنسبة للجماعة لتثبيت خطوطها الجديدة، خصوصًا مع اتساع رقعة المواجهات في كهبوب وتعز ومناطق أخرى، وعودة القوات المناهضة للحوثيين إلى استعادة مواقع ومرتفعات ذات أهمية ميدانية.
وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية خلال 25 سبتمبر السيطرة على مرتفعات في مناطق الوازعية والشمايتين، بمساندة قوات درع الوطن والعمالقة ورجال القبائل، بالتزامن مع عمليات ضد مواقع حوثية في كهبوب.
أما في مأرب والجوف، فتواصلت العمليات العسكرية والضربات على مواقع وتجمعات وآليات حوثية، في إطار اتساع نطاق الضغط على الجماعة وعدم السماح لها بتركيز ثقلها العسكري في محور واحد.
الجنوب يرفع الجاهزية
في الجنوب، تزامنت التطورات العسكرية مع تحرك سياسي ومجتمعي لرفع مستوى الاستعداد لمواجهة الهجمات الحوثية.
ففي محافظة الضالع، أعلنت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي التعبئة العامة ورفع الجاهزية، مع التأكيد على إسناد القوات المسلحة الجنوبية المرابطة على خطوط التماس. كما أكدت الهيئة العسكرية في المحافظة مواصلة التعبئة والحشد وتعزيز تماسك القوات الجنوبية.
ولم تقتصر حالة الاستنفار على الضالع، إذ سبق لقيادات المجلس الانتقالي والمقاومة الجنوبية في مديريات يافع إعلان التعبئة العامة ورفع الجاهزية وتعزيز التنسيق مع القوات العسكرية والأمنية والمشايخ والشخصيات الاجتماعية واللجان المجتمعية.
وفي لحج، ناقشت قيادة المجلس الانتقالي بالمحافظة مستجدات المواجهات والتعبئة العامة، مع التأكيد على إسناد الجبهات في ظل احتدام المعارك على حدود الجنوب.
ويعكس ذلك اتساع حالة الاستعداد المجتمعي والعسكري في المناطق الجنوبية المحاذية لجبهات القتال، ولا سيما في الصبيحة وكهبوب والضالع ويافع، حيث تتداخل الجبهة العسكرية مع إسناد قبلي ومجتمعي مباشر.
القبائل تدخل على خط المواجهة
وبالتوازي مع التحركات العسكرية، برزت مواقف قبلية داعمة للجبهات الجنوبية.
وأعلن الاتحاد العام لقبائل الجنوب العربي تأييده لإعلان التعبئة العامة في الضالع، كما أعلن دعمه للحملة الشعبية لإسناد الجبهات، وتحدث في بيان له عن استعداد قيادات قبلية ومتطوعين للمشاركة في دعم جبهات الصبيحة.
وتأتي هذه المواقف في ظل مشاركة رجال القبائل إلى جانب القوات الحكومية والقوات الجنوبية في عدد من محاور المواجهة، وهو ما ظهر بصورة خاصة في العمليات الأخيرة بمحيط الوازعية وكهبوب والمناطق المتاخمة لباب المندب.
العليمي يعلن التعبئة ويفتح باب الانشقاق
سياسيًا، اتخذ التصعيد منحى أكثر وضوحًا بإعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي التعبئة العامة والنفير الوطني، داعيًا اليمنيين إلى الالتفاف حول القوات المسلحة والأمن والالتحاق بصفوفها عبر القنوات الرسمية.
وفي خطاب بمناسبة الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر، أعلن العليمي كذلك فتح باب العودة الآمنة إلى صف الجمهورية والشرعية الدستورية، متعهدًا بأن من يترك جماعة الحوثيين ويتوقف عن القتال أو العمل لصالحها سيكون مشمولًا بعفو شامل وفق الإجراءات الدستورية والقانونية، مع تسوية أوضاع منتسبي الجيش والأمن.
وتحمل هذه الدعوة بُعدًا عسكريًا وسياسيًا في آن واحد؛ فهي من جهة تسعى إلى توسيع قاعدة القوات المناهضة للحوثيين، ومن جهة أخرى تفتح نافذة أمام العناصر والقيادات داخل الجماعة للانسحاب من صفوفها.
كما دعا العليمي القبائل إلى الوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها وقواتها المسلحة والأمن، محذرًا من استمرار التصعيد الحوثي.
الرياض في مواجهة تهديد يتجاوز حدود اليمن
إقليميًا، لم يعد التصعيد الحوثي يُنظر إليه باعتباره ملفًا يمنيًا داخليًا فقط، خصوصًا مع انتقال تأثيراته إلى أمن السعودية والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
وكانت السعودية قد أعلنت خلال سبتمبر اعتراض هجمات حوثية، بينها محاولة استهداف الرياض بصاروخ باليستي، فيما أكدت دول عربية وإسلامية دعمها لحق المملكة في الدفاع عن نفسها، بالتوازي مع دعوات للحفاظ على أمن الملاحة والحل السياسي.
وفي 22 سبتمبر، أكد وزراء خارجية مجموعة السبع والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي أن الوضع في اليمن أصبح تهديدًا للاستقرار والأمن الإقليميين ولأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وطالبوا الحوثيين بوقف العمليات العسكرية والهجمات على الملاحة المدنية والعودة إلى العملية السياسية. كما دعوا إيران إلى وقف تسليح الجماعة ودعمها.
باب المندب يعيد رسم الحسابات الدولية
أصبحت معركة الساحل الغربي وباب المندب عاملًا رئيسيًا في إعادة ترتيب المواقف الدولية تجاه الحرب اليمنية.
فالممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، وأي تهديد مستمر لحركة الملاحة فيه ينعكس على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصال هاتفي في 22 سبتمبر، على أهمية ضمان المرور الآمن وغير المعاق عبر مضيقي باب المندب وهرمز، كما دعوا إلى وقف سريع للأعمال العدائية والحل السياسي والدبلوماسي.
وهكذا لم تعد التحركات الحوثية على الساحل الغربي مجرد مكاسب جغرافية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بحسابات الأمن الإقليمي وحرية الملاحة والتجارة العالمية، الأمر الذي يفسر اتساع دائرة التحرك السياسي حول الملف اليمني.
تعدد الجبهات يفرض معادلة جديدة
وبينما كانت جماعة الحوثي تراهن خلال الأسابيع الماضية على توسيع رقعة سيطرتها وفتح طرق جديدة باتجاه الجنوب والساحل الغربي، أظهرت الأيام الأخيرة أن هذا التوسع يواجه جبهات مضادة متعددة، تمتد من كهبوب ولحج وتعز إلى مأرب والجوف والبيضاء والضالع.
وتكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها لا تتعلق بمعركة واحدة، بل بتزامن عمليات التصدي والاستعادة في أكثر من محور، إلى جانب التحرك السياسي الرسمي، والتعبئة الجنوبية، والإسناد القبلي، وتصاعد المواقف الإقليمية والدولية تجاه الحوثيين.
ومع استمرار المعارك، تبقى خريطة السيطرة الميدانية قابلة للتغير، خصوصًا في المناطق الاستراتيجية المحيطة بالساحل الغربي وباب المندب، فيما بات واضحًا أن المرحلة الحالية تختلف عن حالة الجمود التي طبعت معظم جبهات الحرب خلال السنوات الماضية.
وفي المحصلة، تقف جماعة الحوثي أمام اختبار عسكري وسياسي متزامن: جبهات تتحرك ضدها في الداخل، وقوات جنوبية وحكومية وقبلية تعيد ترتيب خطوط المواجهة، وسلطة سياسية تعلن التعبئة وتفتح باب العودة من صفوف الجماعة، مقابل ضغط إقليمي ودولي متزايد بشأن أمن الملاحة والتصعيد العسكري.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات وتوسعت العمليات المضادة، فإن الأيام المقبلة قد تشهد تغيرات جديدة في موازين السيطرة الميدانية، خصوصًا في محاور الجنوب والساحل الغربي والمناطق المشرفة على باب المندب.