اتفاق الدفاع المشترك مع باكستان: قراءة في رسائل الردع ومخاطر التفكيك
الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - 12:30 ص
صوت العاصمة/ بقلم/ الصحفي صالح حقروص
في السياسة، ليس المهم أن توقّع الاتفاقيات، بل أن تعرف لماذا وقّعتها، ومن تريد أن تصل إليه الرسالة، ومن قد يستغلها ضدك. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة توقيع السعودية أولًا اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان بوصفه قرارًا صائبًا في توقيته، ورسالةً واضحة وموجعة إلى إسرائيل؛ إذ تدرك الأخيرة جيدًا أن القدرة النووية الباكستانية لم تكن لتكتمل، دون مساهمة ودعم سعودي. لذلك قد تتردد في ارتكاب أي حماقة أو اعتداء مباشر على المملكة العربية السعودية، وتفضّل العمل غير المباشر: نار هادئة، وتفكيك تدريجي، وتدمير على مراحل.
لكن الخطورة لا تأتي من العدو البعيد وحده، بل من الأدوات التي يجدها في الداخل. وهنا يبرز الإخوان كعنصر أساسي في أي مخطط تفكيكي؛ فقد سبق أن حققوا نجاحات كبيرة في عدد من الدول العربية عبر ما عُرف بالربيع العربي، حيث كانوا أكثر قدرة على الخراب والتدمير من الإصلاح والبناء.
ولإنجاح هذا المخطط، عمل الإخوان على زرع فتنة وخلاف كبير بين السعودية والإمارات، لما للإمارات من أهمية كبرى بوصفها الحليف الاستراتيجي وخط الدفاع الأول عن السعودية. فإبعاد هذا الحليف ليس تفصيلًا عابرًا، بل مقدمة لخلخلة الجبهة الداخلية والخليجية.
ثم جاءت الخطوة التالية: ضرب العمق الاستراتيجي للسعودية، أي مصر. ويتم ذلك عبر حثّ السعودية على توقيع اتفاق دفاع مشترك مع تركيا، لتعميق الخلاف أكثر بين السعودية من جهة، والإمارات ومصر من جهة أخرى؛ وهما الحلفاء الأكثر إخلاصًا لها. والنتيجة خدمة مصالح قطر وتركيا وإسرائيل، وإفقاد السعودية ثقة المخلصين لها، بما يضمن نجاح المخطط المرسوم ضدها.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
متى ستدرك السعودية هذه الحقيقة؟
وإلى متى سيستمر هذا الغباء السياسي الذي يقودها إلى الهاوية، ويخدم المخطط الصهيوني الحقيقي الذي يحيكه لها الأعداء؟
إن السياسة ليست شعارات، ولا تحالفات تُبنى على ردود فعل متسرّعة. إنها قراءة باردة للقوى، ومعرفة دقيقة بالأصدقاء والأعداء، وتمييز بين من يريد حماية المملكة ومن يريد استنزافها. وإذا كان الاتفاق مع باكستان رسالة ردع ناجحة، فإن العبث بالتحالفات التاريخية مع الإمارات ومصر قد يكون رسالة خطأ في الاتجاه المعاكس.
المطلوب ليس التراجع عن كل خطوة، بل إعادة ترتيب الأولويات: حماية العمق الخليجي، الحفاظ على الحلفاء المخلصين، وعدم منح الأعداء فرصة التفكيك من الداخل. فالأخطاء في السياسة لا تُقاس بعددها، بل بحجم الفرص التي تُهدر، والثقة التي تُفقد.