مداد العاصمة



التصعيد الأخير في اليمن .. لماذا تحتاج البلاد إلى تسوية سياسية وليس إلى جولة عسكرية أخرى؟

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - 10:04 م

التصعيد الأخير في اليمن .. لماذا تحتاج البلاد إلى تسوية سياسية وليس إلى جولة عسكرية أخرى؟

صوت العاصمة/خاص:

كتب : صدام عبيد يسر الزبيدي



يواجه اليمن مجدداً تصعيداً خطيراً في حرب أثبتت مراراً وتكراراً قصور الحلول العسكرية. وتُذكّرنا المعارك الأخيرة، لا سيما على طول الساحل الغربي للبلاد وفي محيط مضيق باب المندب، بأن الصراع في اليمن لم يكن يوماً مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل هو أزمة سياسية معقدة تشمل مشاريع وطنية متنافسة، ومصالح إقليمية، ومظالم اقتصادية، وتساؤلات عالقة حول مستقبل الدولة اليمنية.

في سبتمبر/أيلول، حذرت الأمم المتحدة من تصاعد حدة القتال على طول الساحل الغربي لليمن، مع تقدم قوات الحوثيين نحو مضيق باب المندب، في حين شنت القوات الحكومية هجوماً مضاداً على عدة جبهات. كما وصفت الأمم المتحدة الوضع حول المضيق بأنه متوتر بشكل متزايد، وشددت على أهمية منع المزيد من التصعيد وحماية حرية الملاحة.

كانت العواقب الإنسانية فورية. فبحسب منظمة الصحة العالمية، نزح أكثر من 122 ألف شخص بسبب التصعيد الأخير في ثماني محافظات، بينما تم الإبلاغ عن آلاف الضحايا بين أوائل أغسطس ومنتصف سبتمبر.

كان العديد من هؤلاء النازحين قد عانوا بالفعل من النزوح خلال المراحل السابقة من الحرب، مما يدل على كيف أن كل دورة عسكرية جديدة تعمق أزمة إنسانية قائمة بدلاً من خلق أزمة جديدة من الصفر.

لكن الدرس الأهم من التصعيد الأخير هو درس سياسي وليس عسكري. فقد شهد اليمن مراراً فترات هدأت فيها حدة إطلاق النار دون حل النزاعات السياسية. قد تكون هذه الهدنات قيّمة لأنها تنقذ الأرواح وتفسح المجال للدبلوماسية، لكن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي لتسوية النزاعات المتنافسة على التمثيل السياسي والأراضي والموارد وسلطة الدولة.

وبالتالي يواجه المجتمع الدولي سؤالاً جوهرياً: ما نوع السلام الذي يُسعى إليه في اليمن؟


إذا كان السلام يعني ببساطة وقف القتال بين الأطراف العسكرية الرئيسية، فإن التجربة السابقة تشير إلى أن مثل هذا الترتيب قد يكون مؤقتًا.

لكن إذا كان السلام يعني إنشاء إطار سياسي قادر على استيعاب مختلف مناطق اليمن وقواها السياسية ومصالحها المتنافسة، فإن العملية يجب أن تكون أوسع بكثير من مجرد مفاوضات بين طرفين.

يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند النظر إلى جنوب اليمن. فالمسألة السياسية في الجنوب لا يمكن تأجيلها ببساطة إلى حين التوصل إلى اتفاق بين الحوثيين والقوات اليمنية الأخرى. لقد أصبحت التطلعات السياسية الجنوبية، وقضايا التمثيل، والحكم المحلي، والسيطرة على الموارد، عناصر أساسية في الأزمة السياسية اليمنية الأوسع نطاقاً. إن تجاهل هذه القضايا لن يحلها، بل سيؤجل مواجهتها إلى مرحلة لاحقة.

في الوقت نفسه، أصبح الانهيار الاقتصادي في اليمن مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأزمته السياسية. فقد أدت سنوات الصراع إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتعطيل الخدمات العامة، وتعميق اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الإنسانية.

كما أن التدهور الاقتصادي يخلق عدم استقرار سياسي لأن المواطنين يحكمون على الترتيبات السياسية ليس فقط من خلال الصيغ الدستورية أو الاتفاقيات الدبلوماسية، ولكن من خلال ما إذا كانت تلك الترتيبات توفر الرواتب والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والأمن وفرص الحياة الكريمة.

لذا، يجب أن يتجاوز الرد الدولي افتراض إمكانية تنفيذ اتفاق سياسي بمعزل عن الانتعاش الاقتصادي. فالتسوية المستدامة تتطلب مساراً اقتصادياً يسير بالتوازي مع العملية السياسية، بما في ذلك ترتيبات الإيرادات العامة والرواتب والخدمات الأساسية والبنية التحتية وإدارة الموارد الوطنية.

تُضيف الأهمية الاستراتيجية لليمن بُعدًا آخر لهذا التحدي. فمضيق باب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويُشكّل جزءًا من أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك، أثارت المعارك الأخيرة قلقًا دوليًا ليس فقط بسبب تداعياتها على اليمنيين، بل أيضًا لأن عدم الاستقرار حول المضيق قد يُؤثر على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.

مع ذلك، لا يمكن لتأمين الطرق البحرية أن يحل محل حل النزاع السياسي داخل اليمن. قد تُسهم التدابير العسكرية في معالجة التهديدات المباشرة للملاحة البحرية، لكنها لا تستطيع تحديد كيفية توزيع السلطة السياسية بين اليمنيين أو كيفية التوفيق بين المصالح الإقليمية المتنافسة ضمن نظام سياسي مستقبلي.


لهذا السبب، يحتاج المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في بنية عملية السلام نفسها. لا ينبغي التعامل مع اليمن وكأنه نزاع واحد بحل واحد. فالبلاد بحاجة إلى عملية سياسية قادرة على معالجة عدة قضايا مترابطة في آن واحد: العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، والوضع السياسي المستقبلي للجنوب، ودمج القوات المسلحة أو إعادة هيكلتها، وتوزيع الموارد الوطنية، والإنعاش الاقتصادي، والعلاقة بين اليمن والقوى الإقليمية التي تورطت مصالحها بشكل كبير في هذا الصراع.

لا شك أن هذه العملية ستكون صعبة. لكن التعقيد ليس مبرراً للعودة إلى نموذج مفاوضات أضيق. بل على العكس، فإن تعقيد النزاع هو تحديداً ما يجعل إطاراً سياسياً أوسع ضرورياً.

لذا، ينبغي فهم التصعيد الأخير كتحذير. فكل جولة عسكرية جديدة تزيد من الخسائر الإنسانية، وتُضعف المؤسسات، وتُعمّق الانقسام السياسي. وكلما طال أمد الصراع، ازدادت صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة لدى جميع الأطراف المعنية.

لا يحتاج اليمن إلى تسوية مؤقتة أخرى توقف الصراع مع إبقاء قضاياه السياسية الجوهرية دون حل. بل يحتاج إلى تسوية تعترف بالحقائق التي برزت خلال أكثر من عقد من الحرب، وتمنح اليمنيين مساراً سياسياً ذا مصداقية للخروج من دوامات التصعيد المتكررة.

الخيار ليس مجرد الاختيار بين الحرب والسلام. السؤال الأعمق هو ما إذا كان بإمكان اليمن الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه.

لكي يتحقق ذلك، يجب أن تتجاوز الدبلوماسية حدود ساحة المعركة، وأن يصبح السلام أكثر طموحاً من مجرد وقف إطلاق النار. عندها فقط يمكن لليمن أن يبدأ مرحلة الانتقال الصعبة من بلدٍ عالق في دوامة الحرب إلى بلدٍ قادر على بناء نظام سياسي يكون فيه لمختلف مناطقه ومجتمعاته دورٌ فاعل في المستقبل.



الأكثر زيارة


زلزال سياسي وعسكري مرتقب.. زيارة استراتيجية تكسر قطيعة الريا.

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 11:25 م

تتجه الأنظار باهتمام بالغ نحو حراك سياسي وعسكري وصفه مراقبون بالاستراتيجي، وسط توقعات بأن تحمل الزيارة المرتقبة أبعاداً كبرى على طريق كسر حالة القطيعة


ضياء الهاشمي في مقال لاذع لمحافظ عدن: علم الجنوب ونشيده ليسا.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 01:34 ص

وجهت الناشطة والكاتبة الجنوبية ضياء الهاشمي انتقادات لاذعة إلى محافظ العاصمة عدن، بصفته المسؤول الأول فيها، على خلفية إصدار أوامر شفهية للمؤسسات التعل


من تعطيل التنمية إلى البحث عن الهدنة.. هل دفعت سياسات السعود.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 12:49 ص

على مدى سنوات الحرب، لم يعد الجدل في الجنوب يقتصر على الملفات العسكرية والسياسية، بل امتد بصورة واسعة إلى سؤال التنمية ومستقبل المناطق الجنوبية، في ظل


عاجل : وزير الدفاع السعودي يدعو بن زايد لزيارة المملكة يوم ا.

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 09:57 م

وجَّه الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، دعوة للشيخ منصور بن زايد نائب رئيس الإمارات نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، لزيارة المملكة