مداد العاصمة



من الأداة إلى الوكيل .. الذكاء الاصطناعي المستقل ومعضلة الحوكمة مع إشارة خاصة إلى الغياب البنيوي للعالم العربي

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - 10:14 م

من الأداة إلى الوكيل .. الذكاء الاصطناعي المستقل ومعضلة الحوكمة مع إشارة خاصة إلى الغياب البنيوي للعالم العربي

صوت العاصمة/خاص:

بقلم د.عبدالله يحيى الحريري
عميد كلية الهندسة والحاسبات في الجامعة الألمانية

أولاً: لحظة تحوّل فارقة

شهد صيف وصدر خريف عام 2026 واحدة من أكثف موجات الارتقاء القدراتي في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة. فقد أطلقت غوغل منتج Gemini Spark ووصفته بأنه "وكيل ذكاء اصطناعي شخصي يعمل على مدار الساعة"؛ وبعد شهرين فقط، أصدرت OpenAI نموذج GPT-6 Astra، مؤكدةً أنه بلغ "مستوى غير مسبوق من الاستقلالية" في تشغيل الحواسيب وهندسة البرمجيات والأمن السيبراني.

والسمة المشتركة بين المنتجين ليست النمو التقليدي في حجم المعاملات أو تحسّن قدرات الاستدلال، بل تحوّل جوهري أعمق: انتقال أنظمة الذكاء الاصطناعي من "أدوات" إلى "فاعلين". وقد لخّصت الجمعية الدولية للحوسبة (ACM) هذا التحول في تقريرها التقني الصادر في حزيران/يونيو 2026 تحت عنوان "أنظمة الذكاء الاصطناعي الفاعلة"، محذّرةً من أن سرعة نشر هذه الأنظمة "تتجاوز الإطار القانوني والتنظيمي والتقني المُصمَّم لاحتواء مخاطرها". بعبارة أخرى: القدرة التقنية سبقت القدرة التنظيمية، والفجوة بينهما تتسع بمعدل يُثير قلقاً منهجياً داخل الصناعة وخارجها.

ثانياً: ما الذي يجعل الذكاء الاصطناعي "وكيلاً"؟

تشير الأدبيات المتخصصة إلى أن أدوات المؤسسات التقليدية — بما فيها روبوتات المحادثة القائمة على القواعد وسير العمل النصي — هي بطبيعتها "تفاعلية": تنفّذ مهاماً محددة مسبقاً، وتفتقر إلى الوعي السياقي والتخطيط متعدد الخطوات والقدرة التكيفية. أما النماذج اللغوية الكبيرة، فرغم توسّعها في توليد المحتوى ومعالجة المعرفة، فإن نمط تشغيلها يظل قائماً على "الاستجابة".

في المقابل، يتميز الذكاء الاصطناعي الوكيل بخصيصة جوهرية هي "الاستقلالية المفوَّضة": إذ يستطيع النظام أن يبادر إلى الفعل، ويتخذ القرارات، وينسّق الأنشطة متعددة الخطوات لتحقيق أهداف تنظيمية بأقل قدر من التدخل البشري. وقد فصّلت نشرة ACM هذه القدرة على النحو التالي: يمكن للنظام أن يتصفح الويب باستقلالية، وينفّذ الشيفرات البرمجية، ويدير الملفات، ويرسل الرسائل، دون الحاجة إلى موافقة بشرية خطوة بخطوة.

وعلى المستوى التطبيقي، تتجلّى هذه الخصائص في Gemini Spark الذي يعمل على نماذج Gemini 3.5/3.6، ويواصل عمله في الخلفية حتى بعد إغلاق جهاز المستخدم أو قفله، ويندمج أصلاً مع أدوات Google Workspace (Gmail، Docs، Sheets، Calendar) لتنفيذ سلاسل مهام متكاملة تمتد من مسح البريد الإلكتروني إلى إنشاء الجداول وجدولة المواعيد.

أما GPT-6 Astra فيتجاوز ذلك إلى آفاق أكثر إثارة للقلق. فوفقاً للإعلان الرسمي لـ OpenAI، حقّق النموذج نسبة 72.6% في اختبار OSWorld 2.0 المرجعي، بمتوسط زمن تنفيذ يبلغ نحو 40 دقيقة لكل مهمة — أي أسرع بنسبة 47% من النموذج السابق. وفي تقييم ExploitBench للأمن السيبراني، سجّل 100%، وتمكّن من اكتشاف ثغرتين برمجيتين غير معروفتين سابقاً في بيئة إنتاجية غير محمية. وقد اعترفت OpenAI في بيان الإطلاق بأن النموذج قادر على "الانطلاق من هدف عالي المستوى، وتصميم وتنفيذ استراتيجيات هجوم سيبراني شاملة من البداية إلى النهاية ضد أهداف محمية".

ثالثاً: خريطة المخاطر — ما وراء سردية "التمرد الآلي"

غالباً ما تقع المناقشات العامة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي في أسر السرديات الخيالية القائمة على ثنائية "استيقاظ الآلة / فقدان السيطرة". غير أن خريطة المخاطر التي تكشفها نشرة ACM والدراسات الأمنية المتخصصة أكثر تعقيداً وتحديداً، ويمكن تصنيفها في أربعة محاور:

المحور الأول: الفراغ البنيوي في إسناد المسؤولية القانونية. عند وقوع ضرر ناجم عن وكيل ذكاء اصطناعي، على مَن تقع المسؤولية: على مزوّد النموذج، أم مطوّر الإطار، أم المؤسسة الناشرة، أم المستخدم النهائي؟ توثّق نشرة ACM حادثة فعلية: وكيل ذكاء اصطناعي حذف قاعدة بيانات إنتاجية كاملة لإحدى الشركات، دون أن يتخذ أي إنسان قراراً بذلك، ومع ذلك وقع الضرر. والمنظومات القانونية القائمة — سواء في القانون المدني أو قانون المسؤولية عن المنتجات — تنطلق جميعها من افتراض "وجود صانع قرار بشري"، وهو افتراض يُبطله الذكاء الاصطناعي الوكيل. ويلاحظ سيمسون غارفينكل، كبير العلماء في ACM، أن اتفاقيات الترخيص الحالية "تكتفي بتحويل المسؤولية إلى جهة أخرى"، لكن إذا كانت التقنية الأساسية غير قادرة على ضمان امتثال النظام بشكل موثوق للسياسات المحددة، "فقد يكون هذا التحويل للمسؤولية غير مُلزِم قانونياً".

المحور الثاني: معضلة "حقن التوجيهات" الأمنية. نظراً لأن النماذج اللغوية الكبيرة تعالج النص باعتباره "بيانات" و"أوامر" في آن واحد، فإن الأنظمة الوكيلة لا تستطيع التمييز بشكل موثوق بين المحتوى المشروع والتوجيهات الخبيثة المدمجة. وهذا يعني أن رسالة بريد إلكتروني تبدو عادية، أو مستنداً تم التلاعب به، قد يختطف هدف الوكيل ويدفعه لتنفيذ عمليات سرقة بيانات أو تجاوز صلاحيات دون علم المستخدم. وتُصنّف تحليلات مؤتمر RSA الأمني هذا النوع من المخاطر تحت مسمى "اختطاف الهدف" — حيث يظل الوكيل "يعمل بشكل طبيعي"، لكنه ينفّذ هدفاً خاطئاً. وقد وثّقت نشرة ACM حالات مؤكدة: وكيل ذكاء اصطناعي كشف بيانات Slack خاصة بعد معالجته رسائل تحتوي على توجيهات خفية.

المحور الثالث: الغياب المؤسسي للشفافية تجاه المستهلك. لا يستطيع المستخدم عادةً تحديد الأنظمة التي يمكن لوكيل الذكاء الاصطناعي الوصول إليها، ولا العمليات التي يستطيع تنفيذها باستقلالية، ولا كيفية سحب صلاحياته. ولا يوجد حتى الآن صيغة بيانات موحّدة للإفصاح عن نطاق صلاحيات الوكيل أو التحكم فيها. وتشير نشرة ACM بشكل خاص إلى أن هذا القصور "أكثر خطورة في السياقات عالية المخاطر مثل الرعاية الصحية".

المحور الرابع: التأثير غير المُتحقَّق منه على سوق العمل. أظهر استطلاع Gartner لعام 2025 أن 55% من مسؤولي سلاسل التوريد يتوقعون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي الوكيل إلى تقليص التوظيف في الوظائف المبتدئة. غير أن مزاعم المكاسب الإنتاجية التي تُبنى عليها هذه القرارات "لم تحظَ بعد بالتحقق المستقل على نطاق واسع"، كما أن آثارها طويلة المدى على تكوين المهارات وسوق العمل تفتقر هي الأخرى إلى أدوات القياس.

رابعاً: معضلة التباطؤ — محنة العمل الجماعي

في مواجهة هذه المخاطر، شهد عام 2026 تحوّلاً ملحوظاً في مواقف قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه. ففي عام 2023، كانت رسالة معهد مستقبل الحياة المفتوحة التي دعت إلى وقف تدريب الأنظمة الأقوى من GPT-4 تأتي أساساً من الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني. أما التحوّل في 2026 فيتمثل في أن مطلب التباطؤ قد اخترق حدود الصناعة ووصل إلى نواتها الأساسية.

ففي حزيران/يونيو 2026، دعت شركة Anthropic مختبرات الذكاء الاصطناعي الرئيسية إلى النظر في "وقف منسّق وقابل للتحقق"، محذّرةً من أن قدرات المهام المستقلة تتطور بوتيرة متسارعة قد تدفعها إلى مرحلة "التحسين الذاتي التكراري". وفي أواخر تموز/يوليو، وقّع أكثر من 1200 موظف وباحث من OpenAI وAnthropic وغوغل ومايكروسوفت وميتا بياناً مفتوحاً يدعون فيه الحكومة الأمريكية إلى تعزيز التعاون الدولي "لكسب الوقت" لحوكمة الذكاء الاصطناعي. وبحلول أيلول/سبتمبر، دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ Anthropic، علناً إلى إبطاء وتيرة رفع قدرات النماذج، وأيّدَه في ذلك سام ألتمان وإيلون ماسك. وقد وصفت مجلة The Atlantic هذه السلسلة من الأحداث بأنها "لحظة الإنذار الأحمر" في قطاع الذكاء الاصطناعي.

غير أن وجود الإجماع لا يعني إمكانية الفعل. فقد أشار تقرير Axios في تموز/يوليو إلى أن عدداً متزايداً داخل الصناعة يقرّ بأن التطور التقني قد يحتاج إلى إبطاء، "لكن لا يوجد أي مختبر مستعد لتحمّل تكلفة التباطؤ منفرداً". وهذا التوصيف يلتقط بدقة معضلة العمل الجماعي الراهنة: في غياب آلية تحقق مستقلة موثوقة وإطار تنسيق عابر للحدود، فإن التباطؤ الأحادي يعني التنازل عن الميزة التنافسية للخصم — سواء كان الخصم شركة أخرى أو دولة أخرى.

خامساً: الغياب البنيوي للعالم العربي

في هذا المشهد المزدحم بالتحولات التقنية ومناورات الحوكمة، يبدو موقع العالم العربي محرجاً وواضحاً في آن واحد. فإطلاقات Gemini Spark وGPT-6 Astra غطّت أسواقاً عدة بينها أستراليا وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وفيتنام، وحضرت اللغة العربية كلغة موجودة، لكن العالم العربي ظل في سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي مستخدماً نهائياً ومستهلكاً سلبياً، لا واضعاً للقواعد ولا مزوّداً للتقنية.

وهذا الحكم ليس استسلاماً عاطفياً للذات، بل تقييم بارد لوقائع بنيوية. فالقدرة التنافسية الجوهرية للذكاء الاصطناعي الوكيل لا تكمن في عدد معاملات النموذج، بل في القدرة على الدمج البيئي. ففاعلية Gemini Spark تنبع مباشرة من الاحتكار البيئي لمنظومة Google Workspace. وميزة GPT-6 Astra تقوم على الاقتران بالبنية التحتية السحابية لـ Microsoft Azure وAWS Bedrock. وبعبارة أخرى: القدرة التنافسية للوكيل الذكي هي قدرة المنظومة البيئية المنصّاتية. والعالم العربي لا يملك اليوم سيادة بنية تحتية سحابية، ولا منظومة مطوّرين كافية لدعم تدريب ونشر وكلاء الذكاء الاصطناعي.

أما المشكلة الأعمق فتتعلق بـ الغياب عن الخطاب الحوكمي. فالمعايير التي تدعو إليها نشرة ACM — معايير الاعتماد والتفويض، ومسارات التدقيق القوية، والإفصاح المعياري للمستهلك، والتوجيهات القطاعية في الصحة والخدمات المالية والبنية التحتية الحيوية — هي في جوهرها منظومة قواعد يجب أن يضعها مزوّدو التقنية والجهات التنظيمية معاً. ومشاركة العالم العربي في هذه العملية تتناسب طردياً مع موقعه في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي: أي أنها تقترب من الصفر.

وليست تكلفة هذا الغياب مجرّد قلق سيادي مجرّد. فعندما يبدأ الذكاء الاصطناعي الوكيل في التدخل في الأمن السيبراني والمعاملات المالية والمساعدة الطبية وغيرها من المجالات الحساسة، فإن واضع القواعد هو في الوقت ذاته من يعرّف توزيع المخاطر وحدود المسؤولية. وأي نظام ذكاء اصطناعي وكيل، مُصمَّم ومُدقَّق ومنشور من قِبل آخرين، ستُطرح عند تطبيقه في المجتمع العربي آثار خارجية أمنية وفراغات مسؤولية وإشكاليات حوكمة بيانات — سيتحمّل المجتمع العربي تبعاتها، دون أن يملك المشاركة في وضع القواعد لتصحيحها.
واخيرا
يمثّل صعود الذكاء الاصطناعي الوكيل انتقالاً من مرحلة "تسريع معالجة المعلومات" إلى مرحلة "استبدال القرار البشري". والتحدي الجوهري الذي يطرحه هذا التحول ليس سقف القدرة التقنية، بل أرضية القدرة الحوكمية: القانون القائم لا يستطيع الإجابة عن سؤال "مَن المسؤول؟"، والإطار الأمني القائم لا يستطيع منع "اختطاف الهدف"، وآلية التنسيق الدولية القائمة لا تستطيع حل معضلة "مَن يبدأ بالتباطؤ؟".

وبالنسبة للعالم العربي، لا ينبغي أن يُنظر إلى إطلاق Gemini Spark وGPT-6 Astra بوصفه مجرد عرض آخر من عروض العجائب التقنية. فالنزعة "التوكيلية" التي يمثلانها تدفع الذكاء الاصطناعي من كونه أداة اختيارية إلى كونه بنية تحتية — وقواعد البنية التحتية لا يكتبها المستخدمون أبداً. والسؤال ليس "إلى متى؟"، بل: هل يدرك العالم العربي أنه لم يجلس بعد حتى على الطاولة التي تُكتب عليها القواعد؟



الأكثر زيارة


زلزال سياسي وعسكري مرتقب.. زيارة استراتيجية تكسر قطيعة الريا.

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 11:25 م

تتجه الأنظار باهتمام بالغ نحو حراك سياسي وعسكري وصفه مراقبون بالاستراتيجي، وسط توقعات بأن تحمل الزيارة المرتقبة أبعاداً كبرى على طريق كسر حالة القطيعة


ضياء الهاشمي في مقال لاذع لمحافظ عدن: علم الجنوب ونشيده ليسا.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 01:34 ص

وجهت الناشطة والكاتبة الجنوبية ضياء الهاشمي انتقادات لاذعة إلى محافظ العاصمة عدن، بصفته المسؤول الأول فيها، على خلفية إصدار أوامر شفهية للمؤسسات التعل


من تعطيل التنمية إلى البحث عن الهدنة.. هل دفعت سياسات السعود.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 12:49 ص

على مدى سنوات الحرب، لم يعد الجدل في الجنوب يقتصر على الملفات العسكرية والسياسية، بل امتد بصورة واسعة إلى سؤال التنمية ومستقبل المناطق الجنوبية، في ظل


عاجل : وزير الدفاع السعودي يدعو بن زايد لزيارة المملكة يوم ا.

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 09:57 م

وجَّه الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، دعوة للشيخ منصور بن زايد نائب رئيس الإمارات نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، لزيارة المملكة