تناقضات السياسة السعودية وانعكاساتها الإقليمية (فقدان البوصلة
السبت - 03 أكتوبر 2026 - 01:04 ص
صوت العاصمة/ بقلم: أبو ناصر فانون السنيدي
لم تعد السياسة الخارجية السعودية بما شابها من تقلّب وعدم توازن ومواقف ملتبسة قادرة على إخفاء تناقضاتها الكبرى ولا على تجنّب النتائج السلبية التي أخذت تتكشّف يوماً بعد يوم حتى وضعت الرياض في موقف لا يُحسد عليه ولا تحمد عقباه.
ففي الوقت الذي تخوض فيه السعودية داخل بلاد الحرمين معركة صريحة ضد الإرهاب وتحظره وتزجّ جماعاته في السجون نجدها في المقابل تقف على النقيض من ذلك في أكثر من ساحة عربية، فالحكومة العراقية أثبتت دعم المملكة لجماعات إرهابية وكذلك الحال في ليبيا، فيما وجّهت الرياض في اليمن دعماً معنوياً ومادياً وسياسياً لجماعات الإخوان داخل الشرعية وهي الجماعات التي ثبت تورطها في اليمن بالتخادم مع الحوثي، وتسليم مناطق ومعسكرات خاضعة لها بالعدة والعتاد للحوثيين، وفي ليبيا لم تتوانَ السعودية عن تقديم الدعم المادي والسياسي للجماعة، في مشهد يكشف ازدواجية سياسية واضحة ويطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الحرب على الإرهاب وحدود التحالفات المتحركة.
واليوم تجد السعودية نفسها في موقف ضيق في اليمن بعد أن تلقّت ما يمكن وصفه بطعنة في الظهر من جناح الإخوان داخل الشرعية وبعد أن خسرت أهم المنافذ الاستراتيجية على المستوى العالمي وفي مقدمتها منفذ باب المندب.
وقد أدركت الرياض ولو متأخرة أنها تعرّضت للتضليل من قيادات الشرعية بمعلومات مغلوطة أورثتها خطأً جسيماً تجلّى في قصف القوات الجنوبية في حضرموت والضالع وفي إقصائها للمجلس الانتقالي الجنوبي الشريك الاستراتيجي في مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة الدولية في البحرين العربي والأحمر، فضلاً عن قطع علاقاتها مع حليفتها الإمارات.
هذا الإدراك المتأخر هو ما دفع الرياض إلى دعوة الشيخ منصور بن زايد ولي عهد دولة الإمارات في محاولة لترميم العلاقات ورأب الصدع الذي سبّبه جناح الإخوان في الشرعية اليمنية.
إن الأيام المقبلة بحسب ما تشير إليه المعطيات ستشهد أحداثاً وتغيّرات واسعة وإعادة ترتيب للأوراق ومنح الإمارات دور محوري في المشهد المحلي والإقليمي، كما ستشهد وضع سياسة موحّدة وأسس وثوابت ينطلق منها الحليفان السعودي والإماراتي تجاه الملفات العالقة والأزمات المحيطة بالخليج وخارجه، وستكون هذه الأسس هي المنطلق لأي عمل سياسي أو عسكري داخل حدود الدولتين وخارجها.
إن العودة إلى مربع التحالف المتين بين الرياض وأبوظبي والمبني على قراءة واقعية للواقع ومكافحة حقيقية للإرهاب بكافة أشكاله ليست مجرد خيار تكتيكي، بل هي ضرورة استراتيجية لحماية المكتسبات وتأمين الأمن القومي الخليجي والعربي في وجه التحديات والتقلبات القادمة التي ستكشف قادم الأيام مدى عمقها وأثرها.