الإعلام الجنوبي من نقل الخبر إلى صناعة الملف الدولي.. هل حان وقت المركز الجنوبي للتوثيق؟
الخميس - 08 أكتوبر 2026 - 01:01 ص
صوت العاصمة/ بقلم: البرفيسور توفيق جازوليت
هل استطاع الإعلام الجنوبي أن يحوّل الوقائع الميدانية في الحرب الدائرة ضد الحوثي، حيث تعمل القوات الجنوبية على صد التوسع الحوثي في الأراضي الجنوبية، إلى "ملف معلومات" يصلح للتأثير في الرأي العام وفي المؤسسات الدولية؟
من منظور مؤسسي، أقترح إنشاء ما يمكن تسميته "المركز الجنوبي للتوثيق والإعلام الدولي".
في مفهوم الحرب المعاصرة، المعركة لا تجري في الجبهة فقط، وإنما في الجبهة الإعلامية والمعلوماتية والقانونية في آن واحد. الإعلام العسكري والمهني يقوم بخمس وظائف أساسية: نقل الحقيقة الميدانية بالصورة والشهادة والوثيقة، ومواجهة التضليل والشائعات قبل أن تتحول إلى رواية راسخة، وتحديد المسؤولية، وحفظ الذاكرة لأن ما لا يوثّق اليوم قد يصعب إثباته غداً، وتحويل الحدث المحلي إلى قضية يفهمها الخارج، خصوصاً الصحافة الدولية والمنظمات الإنسانية والحقوقية ومراكز الأبحاث وصناع القرار.
والأهم أن الإعلام لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ناطق باسم طرف عسكري. فالمصداقية الدولية تُبنى عندما يقول الإعلام: هذه هي الواقعة، وهذه مصادرها، وهذه الصور والشهادات، وهذا ما يمكننا إثباته، وهذا ما لا نستطيع إثباته بعد. وهذا مهم بصورة خاصة في اليمن، حيث تصف الأمم المتحدة الوضع بأنه بالغ التعقيد وتؤكد أن الوصول إلى صورة دقيقة لما يحدث ميدانياً وسياسياً أمر شديد الصعوبة.
أين يقف الإعلام الجنوبي اليوم؟ المشكلة ليست في الاعتراف بأهمية الإعلام، بل في تحويل هذا الإدراك إلى منظومة متكاملة ذات تأثير دولي. الإعلام الجنوبي يحتاج، نقدياً، إلى الانتقال من إعلام رد الفعل إلى إعلام المبادرة، ومن الخبر إلى التحقيق، ومن الصورة إلى ملف التوثيق، ومن الخطاب السياسي إلى الرواية المبنية على الأدلة، ومن مخاطبة الجمهور الجنوبي إلى مخاطبة المجتمع الدولي بلغته ومؤسساته.
الجنوب يخوض حرباً عسكرية وحرباً على الرواية، وهذه هي النقطة الجوهرية في المرحلة الحالية. إذا كانت هناك معارك على الأرض، فهناك في الوقت نفسه معركة على تفسير هذه المعارك. والطرف الذي يستطيع أن يفرض روايته على وكالات الأنباء والصحافة الدولية قد يؤثر في كيفية فهم الحدث. ولهذا لا يكفي نشر عشرات البيانات يومياً على المنصات الجنوبية.
المطلوب إنشاء غرفة عمليات إعلامية توثيقية تعمل بالتوازي مع غرفة العمليات السياسية والعسكرية، تجمع صوراً وفيديوهات موثقة زمنياً ومكانياً، وشهادات المدنيين والعسكريين، وخرائط وتحديداً جغرافياً للأحداث، وبيانات الخسائر والأضرار، وبيانات الانتهاكات، ثم تترجم الملفات إلى الإنجليزية وربما الفرنسية، وترسلها إلى الصحافة الدولية والمنظمات ومراكز الدراسات. هنا يتحول الإعلام من ناقل للخبر إلى منتج للمعرفة السياسية والقانونية.
ماذا عن المؤسسات الجنوبية في العلاقات الدولية؟ هنا المسألة أهم من الإعلام نفسه. لذلك أتساءل: هل يوجد حتى الآن نظام جنوبي مؤسسي قادر على تحويل المعلومات اليومية إلى ملفات موثقة تصل باستمرار إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الحقوقية ومراكز القرار؟
المؤسسات الدولية لديها آلياتها الخاصة في التوثيق والتحقق، والأمم المتحدة نشرت تقارير تتناول وضع الإعلام وحرية التعبير في المناطق الخاضعة لتأثير أطراف متعددة، بما فيها قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي. لذلك فإن أي منظومة جنوبية تريد مخاطبة المجتمع الدولي يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع الادعاءات الموجهة ضدها، وليس فقط توثيق الانتهاكات التي تنسبها إلى خصومها. وهنا تحديداً تكمن قيمة المصداقية.
على المجلس الانتقالي الجنوبي إنشاء المركز الجنوبي للتوثيق والإعلام الدولي، لا كمجرد مؤسسة إعلامية أخرى، بل كمؤسسة تجمع أربعة اختصاصات: أولاً التوثيق الميداني عبر قاعدة بيانات يومية، ثانياً الإعلام الدولي عبر تقارير يومية وأسبوعية بالإنجليزية والفرنسية، ثالثاً القانون الدولي بتحويل الوقائع إلى ملفات تستند للقانون الإنساني وحقوق الإنسان، رابعاً العلاقات الدولية بتوزيع الملفات على الأمم المتحدة والبرلمانات ووكالات الأنباء.
المعركة الإعلامية الجنوبية لا ينبغي أن تكون مجرد دفاع عن الموقف السياسي للانتقالي، بل معركة لبناء أرشيف وطني موثق. فالمعركة العسكرية تنتهي في يوم من الأيام، أما الوثائق فتظل جزءاً من ملف القضية أمام التاريخ والقانون والدبلوماسية الدولية.