الرئيس الزبيدي دوَّل الانتصار وشرعن للتفاوض السياسي
الأحد - 11 أكتوبر 2026 - 07:12 م
صوت العاصمة/خاص:
كتب : د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
أ- المقدمة :
حين يتماهى المداد مع الزناد تنطق الجغرافيا وتصمت الكلمات،وحين يتحول الخطاب الرئاسي من مجرد تقرير ميداني إلى بيان تأسيسي للوجود نكون أمام لحظة لا تقرأ بعين العابرين ، بل توزن بميزان المصير؛فخطاب الجمعة التاريخي ٩/١٠/٢٠٢٦ للرئيس المفوض عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية بشأن ما حققته القوات المسلحة الجنوبية من انتصارات في تحرير باب المندب وجزيرة ميون من المليشيات الحوثية ليس سردا لمواقيت المعركة أو تعدادا لكتائب القتال ، بل هي إعادة كتابة لجغرافيا السيادة الجنوبية بمداد الدم واليقين .
مما يدل بأن قضايا الأوطان الكبرى لا تدافع عنها الكلمات الباهتة ولا تحميها التسويات الرخوة التي تصنع في الظل ؛ بل هي القضايا التي تحرسها أقدام المرابطين على حافة الخطر وعزم الرجال الذين أخذوا على عاتقهم أن يكونوا السد الأخير بوجه التموجات الإقليمية العاتية.
ب- تحليل الخطاب
تكشف هذه القراءة المعاني والدلالات الخفية للخطاب من خلال إخضاع نقاطه المحورية للتحليل على النحو الآتي :
أولا : شرعية الدم لا شرعية الوهم
من بين كل الأوهام السياسية التي تسوق في زمن الالتباس يبرز وهم الشرعية الشكلية التي تمنح بالأوراق وتسحب بالتوافقات الهشة ، غير أن الواقع يفرض قانونا أزليا أصيلا يدل على أن الشرعية الحقيقية لا تكتب إلا بالنار واليقين
فحين يستدعي خطاب الرئيس المفوض عيدروس الزبيدي تضحيات الأبطال في المضاربة وباب المندب وجزيرة ميون فإنه لا يستجدي عاطفة ، بل يؤسس لفلسفة سياسية عميقة تربط حق تقرير المصير بعرق الجباه ودماء الشهداء.
مما يدل بأن الأرض التي تروى بالدماء لا يمكن أن تسلم بغفلة للكلمات الرخوة التي تصنع في الغرف المغلقة خلف أسوار الوطن ؛ بل تسلم الأرض لمن يستبسل في حماية بوابة العالم البحرية كونه هو المالك الشرعي الوحيد وصاحب الحق في صياغة القرار السيادي عليها.
ولهذا يوصلنا الخطاب إلى نهاية حتمية لعصر الاستلاب السياسي الذي أراد يوما أن يجعل من الجنوب العربي مجرد أداة استهلاك وظيفي تستدعى وقت الخطر ويقصى أصحابها عند طاولات التفاوض.
ثانيا: حارس البوابة وعقدة الاختناق الجيوسياسي
يمثل باب المندب وجزيرة ميون من الناحيتين الجيوسياسية والدبلوماسية الرئة التي تتنفس منها التجارة الدولية وشرايين الأمن العالمي.
وهنا يرتفع الخطاب التاريخي للرئيس المفوض ليضع العالم أمام مسؤولياته بمعادلة لا تقبل القسمة على اثنين لأن :
١- الأمن لا يترجل بالوكالة مما يدل بأن حماية الممرات البحرية لا تستقيم عبر قوى وهمية تملأ الفضاء الافتراضي بالضجيج والبيانات المجردة بينما تخلو الأرض من أثرها الفعلي تماما.
وهو الأمر الذي يفضي به الخطاب التاريخي للدلالة على أن القوات المسلحة الجنوبية ليست طارئة على المكان ، بل هي الحارس الأمين والخصم الصلب لكل مشاريع العبث الحوثي والإقليمي .
٢-لا وصاية في السيادة هذا ما أراد الخطاب التاريخي للرئيس الزبيدي توصيله للمتلقي على اعتبار أن من يمسك بزمام الحماية على الثغور هو من يملك الكلمة الفصل.
ومن هنا فقد سقطت إلى الأبد معادلة حماية الأوطان بالنيابة وإقصاء أهلها الحقيقيين عن شرف صناعة المستقبل.
ثالثا : تحصين الذاكرة من وهم الاستنزاف المجتمعي والوطني
مثلما أن معركة البنادق لا تحتمل الحياد ، فإن معركة الوعي تتطلب مناعة لا تتنازل عن الثوابت تحت أي غطاء من الشعارات الفضفاضة لأن الأوطان لا تخذلها سيوف أعدائها بمقدار ما يضعفها بعض أبناؤها حين يتولوا تفكيك قلاعهم من الداخل.
إن الربط المحكم في الخطاب التاريخي للرئيس المفوض بين حماية الجغرافيا وبين الهدف الأسمى (دولة جنوبية كاملة السيادة من المهرة إلى باب المندب) يعيد توجيه البوصلة نحو غايتها الكبرى ، لأن الدولة ليست حلما عابرا ، بل هي استحقاق موضوعي يرتكز على مؤسسة عسكرية محترفة وجغرافيا مؤمنة وشعب يلتف حول ثوابته حتى لا يضيع العهد بين جيل التضحية وجيل التأسيس .
ج- الخلاصة :
ومن هذا المنطلق تبرز المعاني الخفية لدلالات وأبعاد الخطاب التاريخي للرئيس القائد عيدروس الزبيدي لتؤكد بأن من يملك شجاعة الوقوف على صخور البحر الأحمر وحراسة بوابات التاريخ هو وحده من يملك يقينا مفاتيح المستقبل.
فحين ينطق الرئيس المفوض عيدروس الزبيدي في خطابه باسم الميدان ، فإنه لا يدافع عن مساحة الخريطة الجغرافية فحسب ، بل يدافع عن كرامة شعب قرر أن يكون سيد أمره على ارضه وأن يعيد كتابة التاريخ ببندقيته وقلمه وسيفه ٠