ليست كل خسارة تُبكينا.. بعض الخسارات تُضيّع فينا شيئاً لا نستعيده
الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - 01:08 ص
صوت العاصمة/ بقلم: زياد فضل الجنوبي
ليست كلُّ خسارةٍ تُبكينا، بعضُ الخسارات تُضيّع فينا شيئًا لا نعرف كيف نستعيده.
حين تفقد رفيقًا عشت معه أيامًا من عمرك، لا يكون الوجع في رحيله وحده، بل في ذلك الفراغ الذي يتركه خلفه؛ في تفاصيل صغيرة كانت عاديةً بالأمس، ثم تصبح بعد غيابه موجعةً على نحوٍ لا تستطيع تفسيره.
إنها وحشةٌ لا تشبه الخوف، ولا يشبهها الحزن الذي نعرف كيف نتحدث عنه. إنها غصّةٌ تستقر في أعماق القلب، فلا الكلمات تستطيع إخراجها، ولا الصمت ينجح في احتوائها. تحاول أن تعبّر عمّا في داخلك، فتكتشف أن بعض المشاعر أعمق من اللغة، وأن بعض الفقد أكبر من أن تحمله جملة.
يا رفيقي، لم أكن أعلم أن غياب الإنسان يمكن أن يترك كل هذا الصمت في داخلنا. بالأمس كنت واحدًا من الوجوه التي ألفناها، واليوم أصبحنا نفتش عنك في الذاكرة، ونستعيد أيامًا لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا كل ما تبقّى لنا منك.
في الجبهة، جمعتنا ظروفٌ لا تُنسى، وصنعت بيننا المواقف معنى الرفقة. هناك، لم تكن الصداقة كلماتٍ نتبادلها، بل حضورًا وألفةً وذكرياتٍ لا يدرك عمقها إلا من عاشها معنا.
واليوم، حين يرحل أحد الرفاق، نشعر بأن صفحةً من أعمارنا قد أُغلقت دون استئذان، وأن جزءًا من حكايتنا أصبح ينتمي إلى الماضي، مهما حاولنا الاحتفاظ به في الحاضر.
إلى رفاقي وأصدقائي، الذين ما زالوا هنا، وإلى الذين سبقونا إلى دار الحق: لا أعرف كيف أصف مكانتكم في القلب، ولا كيف أشرح أن بعض الناس لا يمرّون في حياتنا فحسب، بل يصبحون جزءًا من ذاكرتنا ومن الأشخاص الذين كنّاهم في أيامهم.
رحم الله رفيقًا غادر الدنيا، وترك في القلب مساحةً لا يملؤها أحد.
رحم الله من شاركونا الطريق، وحفظ من بقي لنا، وجمعنا بمن نحب في دارٍ لا فراق فيها ولا وجع.
إنا لله وإنا إليه راجعون.