السابع عشر من أكتوبر عام 1973.. اليوم الذي أطفأ فيه العرب أنوار نيويورك وأوقفوا سيارات أمريكا ...
السبت - 17 أكتوبر 2026 - 11:12 م
صوت العاصمة/ بقلم / الشيخ أحمد سعيد العمودي
هناك أيام لا تقاس بعدد ساعاتها بل بما فعلته في العالم ويوم السابع عشر من أكتوبر عام 1973 هو واحد من تلك الأيام التي غيرت خريطة الاقتصاد والسياسة إلى الأبد ففي هذا اليوم لم يطلق العرب رصاصة واحدة في نيويورك ولا في لندن ولكنهم جعلوا نيويورك تظلم وجعلوا السيارات تصطف طوابير كيلومترات وجعلوا أكبر اقتصاد في العالم يركع لأول مرة أمام برميل نفط وكان ذلك أول سلاح نفطي في التاريخ العربي.
القصة بدأت قبل ذلك بأحد عشر يوما في السادس من أكتوبر عام 1973 الساعة الثانية ظهرا حين عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف واقتحم الجيش السوري هضبة الجولان وكانت حرب يوم الغفران Yom Kippur War لأنها جاءت في عيد الغفران اليهودي أقدس أيام اليهود وكانت إسرائيل في حالة صدمة فطلبت النجدة من أمريكا فورا فقرر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون Richard Nixon عملية إمداد جوي ضخمة اسمها عملية نيكل غراس Operation Nickel Grass لإرسال السلاح والدبابات والطائرات إلى إسرائيل لتعويض خسائرها.
وهنا اجتمع العرب في الكويت في السابع عشر من أكتوبر عام 1973 في فندق شيراتون الكويت وزراء النفط العرب الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول أوابك OAPEC وكانوا عشر دول السعودية والكويت والعراق وليبيا والجزائر وقطر والإمارات والبحرين ومصر وسوريا وكان يقود الاجتماع وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني Ahmed Zaki Yamani ووزير النفط الكويتي عبد المطلب الكاظمي والوزير العراقي سعدون حمادي وقرروا قرارا تاريخيا لم يسبق له مثيل.
قالوا إننا سنستخدم النفط سلاحا وقرروا ثلاثة قرارات أولا حظر تصدير النفط كليا إلى أمريكا وهولندا لأنهما أكثر دولتين تدعمان إسرائيل ثانيا خفض الإنتاج بنسبة خمسة في المائة كل شهر حتى تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 ثالثا رفع سعر برميل النفط من ثلاثة دولارات إلى خمسة دولارات ثم إلى اثني عشر دولارا في غضون أسابيع أي زيادة أربعمائة في المائة.
وكان هذا القرار صدمة كبرى لأمريكا وأوروبا لأن العالم كان يعيش على النفط العربي الرخيص فأمريكا كانت تستورد ستة ملايين برميل يوميا من العرب وأوروبا ثمانين في المائة من نفطها من العرب واليابان تسعين في المائة وكانت أمريكا تظن أن النفط سلعة تجارية فقط وليس سلاحا سياسيا فجاء الرد العربي ليقول إن النفط هو دم العرب وقوتهم.
وماذا حدث بعد القرار في أمريكا اصطفت السيارات طوابير طويلة أمام محطات البنزين Gas Stations في نيويورك وكاليفورنيا وتكساس طوابير تمتد كيلومترات والناس ينتظرون ساعات ليحصلوا على خمسة غالونات فقط وأعلنت الحكومة الأمريكية نظام الأرقام الزوجية والفردية Even Odd System فالسيارات التي تنتهي لوحتها برقم زوجي تأخذ بنزينا في يوم زوجي والتي تنتهي بفردي تأخذ في يوم فردي وأطفئت الأنوار في الشوارع وفي المتاجر لتوفير الطاقة وخفضت السرعة القصوى في الطرق السريعة من سبعين ميلا إلى خمسين ميلا وأغلقت محطات البنزين يوم الأحد وأصبحت المدارس تغلق مبكرا لتوفير التدفئة.
وفي بريطانيا وفرنسا وهولندا حدث نفس الشيء فهولندا كانت أكثر دولة عوقبت لأنها سمحت لليهود في أمستردام بجمع تبرعات لإسرائيل وسمحت للطائرات الأمريكية بالتزود في مطاراتها فمنع عنها النفط كليا فكانت تسمى في الصحافة الأوروبية جائعة النفط واضطر الهولنديون إلى ركوب الدراجات ومنعوا السيارات يوم الأحد وأصبح يوم الأحد بلا سيارات Car Free Sunday والناس يمشون في الطرق السريعة على أقدامهم وأصبح رئيس الوزراء الهولندي يخطب وهو يلبس معطفا ثقيلا لأن التدفئة ممنوعة.
وكان تأثير القرار اقتصاديا مدمرا على الغرب فارتفع التضخم في أمريكا إلى اثني عشر في المائة وارتفعت البطالة وأغلقت المصانع وانهارت بورصة وول ستريت Wall Street وخسرت أمريكا مائة مليار دولار في عام واحد ودخل العالم في أزمة اقتصادية اسمها الركود التضخمي Stagflation أي ركود مع تضخم لم يحدث من قبل منذ الكساد الكبير عام 1929م.
ولكن التأثير الأهم كان سياسيا فأول مرة يشعر الغرب بقوة العرب ككتلة واحدة وكأول مرة تفهم أمريكا أن أمن إسرائيل ليس مجانيا وأن دعم إسرائيل له ثمن اقتصادي باهظ فبدأت أمريكا بعد الحظر لأول مرة تفكر في حل سياسي للصراع العربي الإسرائيلي فجاء وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر Henry Kissinger بطائرته المكوكية Shuttle Diplomacy بين القاهرة ودمشق وتل أبيب ليفك الاشتباك ودفعت أمريكا إسرائيل إلى قبول وقف إطلاق النار والانسحاب من جزء من سيناء والجولان ثم جاءت اتفاقية كامب ديفيد بعد ذلك.
ومن ناحية أخرى غير الحظر تاريخ الطاقة في العالم فأمريكا التي كانت تستهزئ بالطاقة الشمسية والطاقة البديلة بدأت لأول مرة تفكر في الطاقة البديلة فأنشأت وزارة الطاقة الأمريكية Department of Energy عام 1977 وأنشأت الاحتياطي النفطي الاستراتيجي Strategic Petroleum Reserve في كهوف تكساس ولويزيانا يخزن 700 مليون برميل للطوارئ وبدأت تصنع سيارات صغيرة اقتصادية بدل السيارات الأمريكية الكبيرة التي كانت تستهلك جالونا كل ثمانية أميال وجاء اليابانيون بسياراتهم تويوتا وهوندا الاقتصادية فغزت السوق الأمريكية بسبب الحظر.
أما العرب فاستفادوا استفادة مالية هائلة فارتفعت إيرادات السعودية من النفط من أربعة مليارات دولار عام 1972 إلى اثنين وعشرين مليار دولار عام 1974 والكويت من مليارين إلى ثمانية مليارات وبدأت طفرة البناء في الخليج فبنيت المدن والمطارات والجامعات والطرق من أموال الحظر وبدأت صناديق الاستثمار السيادية العربية وبدأ العرب يستثمرون في أمريكا وأوروبا وأصبحوا يملكون حصصا في شركات كبرى مثل مرسيدس وبنك أمريكا.
وكان مهندس الحظر الحقيقي هو الملك فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية الذي قال مقولته الشهيرة عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود إليهما إذا احتاج الأمر للدفاع عن فلسطين وقال للرئيس الأمريكي عندما هدده باحتلال آبار النفط إن من يهددنا باحتلال آبارنا سنحرقها وقال وزير النفط أحمد زكي يماني إن عصر النفط الرخيص انتهى إلى الأبد.
واستمر الحظر خمسة أشهر من 17 أكتوبر 1973 حتى 18 مارس 1974 عندما اجتمع وزراء النفط العرب في فيينا وقرروا رفع الحظر عن أمريكا بعد أن وعدت أمريكا بأنها ستدفع إسرائيل للانسحاب ولكن آثاره استمرت عشرين سنة فتغيرت خريطة الطاقة وتغيرت خريطة السياسة وتغيرت العلاقة بين العرب والغرب.
ولهذا فإن السابع عشر من أكتوبر عام 1973 ليس مجرد يوم في التقويم بل هو اليوم الذي أثبت فيه العرب أنهم إذا اتحدوا يستطيعون أن يهزوا العالم ببرميل نفط وأنه إذا كان السلاح العسكري يحرر الأرض فإن السلاح الاقتصادي يحمي الكرامة وأن النفط الذي تحت أقدامنا ليس مجرد سائل أسود بل هو قرار سياسي وكرامة أمة .....
بقلم الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
السابع عشر من أكتوبر عام 1973..
اليوم الذي أطفأ فيه العرب أنوار نيويورك وأوقفوا سيارات أمريكا ...