الشاطري: هل تدفع الثغرات العسكرية في باب المندب السعودية إلى مراجعة موقفها من عيدروس الزبيدي؟
الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - 01:20 ص
صوت العاصمة/ بقلم: المستشار أكرم الشاطري
لم تعد مسألة عودة عيدروس الزبيدي إلى المشهد السياسي الجنوبي مجرد سؤال عن مستقبل رجل أو قيادة سياسية، بل أصبحت مرتبطة بتطورات الميدان، وبحسابات الأمن الإقليمي، وبمدى قدرة السعودية على مراجعة سياستها تجاه الجنوب في ظل المتغيرات العسكرية المتسارعة.
فالتطورات التي شهدتها جبهة الساحل الغربي، وما أُثير بشأن الثغرات التي مكّنت الحوثيين من التقدم باتجاه باب المندب، تفرض تساؤلات جدية حول جدوى الاستمرار في إضعاف القوى الجنوبية أو تهميش قياداتها، في وقت تتطلب فيه المواجهة قوة عسكرية متماسكة، وخبرة ميدانية، وقراراً واضحاً.
#السعودية بين الحسابات السياسية والضرورة العسكرية
من المعروف أن الحسابات السياسية لا تتطابق دائماً مع متطلبات الميدان. فقد تسعى الدول إلى إعادة تشكيل القيادات وفق رؤيتها الخاصة، لكن الوقائع العسكرية قد تفرض عليها التعامل مع القوى الأكثر حضوراً وتأثيراً على الأرض.
وهنا تبرز قضية عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي. فبصرف النظر عن الخلافات السياسية معهما، لا يمكن تجاهل وجود قاعدة شعبية جنوبية واسعة، وتشكيلات عسكرية لها حضورها وخبرتها في مواجهة الحوثيين.
ومن ثم، فإن استمرار إقصاء هذه القوى، أو التعامل معها باعتبارها مجرد طرف ينبغي احتواؤه، قد يخلق فجوة بين الحسابات السياسية ومتطلبات الأمن الميداني.
#باب_المندب_يكشف أهمية القوات الجنوبية
إن أمن باب المندب ليس قضية محلية أو هامشية، بل يمثل أهمية استراتيجية لليمن والمنطقة والملاحة الدولية. وأي اختلال في الجبهات المحيطة به يفرض إعادة تقييم للخطط العسكرية، وتحديد المسؤوليات، ومراجعة أسباب الاختراقات، بعيداً عن تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية.
وإذا كانت الثغرات التي شهدتها جبهة الساحل الغربي قد كشفت عن خلل في التنسيق والقيادة والانتشار، فإن المعالجة لا تكون بإعادة إنتاج الأخطاء نفسها، بل بالاستفادة من الخبرات القتالية المتاحة، وتوحيد الجهود على أساس الكفاءة والمسؤولية.
وفي هذا السياق، يبرز دور القوات الجنوبية، بما فيها القوات التي تواجه الحوثيين في جبهات الجنوب والساحل الغربي، باعتبارها جزءاً من معادلة الأمن العسكري. لكن الاستفادة من هذه القوات تتطلب وضوحاً في القيادة والتنسيق والإمداد، لا مجرد استدعائها عند الحاجة ثم تهميشها سياسياً.
#هل_تغير_السعودية_موقفها من عيدروس الزبيدي؟
حتى الآن، لا يكفي وجود حاجة عسكرية إلى القوات الجنوبية للقول إن السعودية غيّرت موقفها السياسي من الزبيدي أو أصبحت مستعدة لقبول مشروع استعادة دولة الجنوب. فهناك فرق بين التعاون العسكري المؤقت، وبين الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي.
ومع ذلك، فإن استمرار التحديات الأمنية قد يدفع الرياض إلى إعادة النظر في أسلوب تعاملها مع القوى الجنوبية، خصوصاً إذا تبيّن أن إقصاءها لا يحقق الاستقرار الذي تسعى إليه.
فالسياسة الواقعية تقتضي التمييز بين الخلاف حول مستقبل الدولة، وبين ضرورة مواجهة تهديد عسكري مشترك. وليس من المنطقي أن تُطلب من القوات الجنوبية مواجهة الحوثيين والدفاع عن المواقع الاستراتيجية، بينما تظل قضيتها السياسية معلّقة، أو يجري التعامل مع قياداتها باعتبارها عقبة أمام التسويات.
#الجنوب_ليس_مجرد_قوة_احتياط
المشكلة الأساسية تكمن في النظرة إلى الجنوب باعتباره رصيداً عسكرياً يمكن الاستعانة به وقت الحاجة، دون الاعتراف بخصوصية قضيته السياسية ومطالبه الوطنية.
فالجنوب ليس مجرد جغرافيا يمكن توظيف قواتها لسد الثغرات، وليس مجرد قوة احتياط تُستدعى عندما تتراجع الجبهات الأخرى. إنه قضية سياسية لها جذورها ومطالبها، وقوى اجتماعية وعسكرية ترى أن مستقبل الجنوب يجب أن يقرره أبناؤه.
ومن هنا، فإن أي تفاهم سعودي جنوبي مستدام ينبغي ألا يقتصر على الترتيبات العسكرية، بل يجب أن يتناول أيضاً ضمانات المشاركة السياسية، واحترام إرادة الجنوبيين، وفتح مسار جاد لمعالجة قضية استعادة الدولة.
#ما_المطلوب_من_السعودية؟
المطلوب من الرياض مراجعة سياستها على أساس المصالح والوقائع، لا على أساس الرغبة في إعادة ترتيب المشهد الجنوبي بمعزل عن القوى الفاعلة فيه.
ويشمل ذلك فتح قنوات حوار جادة مع مختلف المكونات الجنوبية، وعدم اختزال القضية الجنوبية في أسماء أو مناصب، وضمان عدم استخدام الخلافات السياسية لإضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين.
كما أن من الضروري إجراء تقييم مهني لأسباب الثغرات العسكرية في الساحل الغربي وباب المندب، وتحديد المسؤوليات بناءً على الأدلة، ووضع آليات تمنع تكرارها، مع الاستفادة من قدرات جميع القوات القادرة على حماية تلك المواقع.
الخلاصة
إن عودة عيدروس الزبيدي إلى المشهد السياسي الجنوبي تظل مرتبطة بعوامل داخلية وإقليمية، ولا توجد حتى الآن ضمانات تؤكد أن السعودية قررت تغيير موقفها منه. لكن استمرار التحديات العسكرية يضع السياسة السعودية أمام اختبار حقيقي: هل تواصل إدارة الجنوب بمنطق الاحتواء والإقصاء، أم تنتقل إلى تفاهم يعترف بوزن القوى الجنوبية وخصوصية قضيتها؟
إن أمن باب المندب لا يتحقق بالرهانات السياسية وحدها، كما أن مواجهة الحوثيين لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة القضية الجنوبية.
فالجنوب الذي يُطلب من أبنائه الدفاع عن أرضهم وتأمين الممرات الاستراتيجية، من حقهم أيضاً أن يطالبوا بموقف سياسي واضح من قضيتهم. أما الشراكة الحقيقية، فلا تُبنى على الحاجة العسكرية وحدها، بل على الاعتراف المتبادل والمصالح الواضحة والاحترام السياسي