يا جارتنا العزيزة.. الشعوب لم تعد تُخدع، وإرادة الجنوب ليست ورقة للمساومة!
الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - 12:36 ص
صوت العاصمة/ بقلم / نايف الكلدي
إحدى عشرة سنة من المعاناة تكفي.. فلا تحاولوا تغطية عين الشمس بغربال، ولا تراهنوا على أن الشعوب لا تفهم ما يُحاك خلف الأبواب المغلقة!
يا جارتنا العزيزة، المملكة العربية السعودية، نقولها لكم بكل وضوح، ومن دون مجاملة أو مراوغة: لقد تغيّر الزمن، وتغيّر وعي الشعوب، ولم يعد الاستغفال السياسي يمرّ كما كان في السابق. فالشعوب اليوم أكثر إدراكاً لما يدور حولها، وأكثر قدرة على قراءة المواقف، والتمييز بين المبادرات التي تبحث عن حلول حقيقية، وتلك التي يرى أصحابها أنها قد تمنحهم فرصة لإعادة ترتيب المشهد وفق حساباتهم الخاصة.
منذ أحد عشر عاماً، والقضية الجنوبية تراوح مكانها وسط معاناة سياسية واقتصادية وإنسانية ثقيلة، فيما يعيش المواطن الجنوبي أزمات متلاحقة في الكهرباء والوقود والمرتبات والخدمات، ويواجه الغلاء وتدهور العملة وضيق المعيشة. وهذه المعاناة، مهما اختلفت التفسيرات بشأن أسبابها والجهات المسؤولة عنها، لا يمكن أن تُمحى من ذاكرة الناس، ولا أن تتحول إلى تفاصيل هامشية في أي حديث عن مستقبل الجنوب.
فكيف يمكن الحديث عن حلول للقضية الجنوبية، بينما يشعر قطاع واسع من الجنوبيين بأن صوتهم لا يُسمع، وأن معاناتهم لا تجد طريقها إلى حلول جادة؟
واليوم، تطرح السعودية الحوار الجنوبي بوصفه مدخلاً للوصول إلى حلول للقضية الجنوبية. ومن حقنا أن نسأل بصراحة: من هم المشاركون في هذا الحوار؟ وما الأساس الذي اختيروا على أساسه؟ ومن فوّضهم بالتحدث باسم شعب الجنوب؟ وهل يكفي جمع عدد من الشخصيات والمكونات في قاعة واحدة حتى يصبح ما يصدر عنها تعبيراً حقيقياً عن إرادة شعب بأكمله؟
الحوار الحقيقي لا يبدأ باختيار ممثلين عن الشعب من دون معيار واضح للتفويض والقبول الشعبي، بل يبدأ بالاعتراف بإرادة الناس، والاستماع إلى مطالبهم، واحترام حقهم في تحديد مستقبلهم.
إن شعب الجنوب ليس مجموعة أسماء تُجمع من هنا وهناك، وليس قضية يمكن اختزالها في وفد أو لجنة أو مؤتمر. إنه شعب له تاريخ سياسي، وتضحيات جسيمة، وتجربة طويلة من الصراع، وله مطالب يعبّر عنها أنصاره في الفعاليات والمسيرات والمليونيات التي شهدتها مدن جنوبية مختلفة.
وقد يرى بعض الجنوبيين أن المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، هو الإطار السياسي الأقرب إلى تطلعاتهم، فيما قد تختلف مواقف آخرين بشأن شكل التمثيل وآلياته. لكن هذا الاختلاف لا يبرر تجاهل أي صوت جنوبي، ولا يمنح أي طرف حق فرض ممثلين على الآخرين من دون تفويض واضح وشرعية مقبولة.
يا جارتنا العزيزة، إذا كنتم تريدون حواراً جاداً، فاجعلوا معياركم إرادة الجنوبيين، لا عدد المقاعد، ولا الأسماء، ولا الحسابات السياسية. افتحوا الباب أمام تمثيل حقيقي، واطرحوا الأسئلة الصعبة بشفافية، ودعوا الجنوبيين يحددون من يتحدث باسمهم، وما القضية التي يريدون حلها، وما الضمانات التي تحول دون الالتفاف على مطالبهم.
أما الوحدة التي قامت بين الجنوب والجمهورية العربية اليمنية، وما رافق مسيرتها من صراعات وحروب ومظالم وشكاوى جنوبية من الإقصاء والتهميش والنهب، فلا يمكن تجاوز آثارها بمجرد الدعوة إلى حوار جديد. فالجراح السياسية لا تُعالج بتغيير العناوين، ولا تُطوى الملفات العالقة بتدوير الشخصيات ذاتها، وإنما بمعالجة جذور الأزمة واحترام إرادة أصحاب القضية.
إن إرادة الشعوب ليست بنداً في جدول أعمال، وليست ورقة تفاوض تملك أي دولة أن تستخدمها وفق مصالحها.
ونحن لا نقول ذلك من باب العداء للسعودية، ولا من منطلق رفض الحوار من حيث المبدأ، بل لأن العلاقة بين الجيران لا تستقيم إلا بالاحترام المتبادل، والوضوح، وعدم التدخل في حق الشعوب في تقرير مستقبلها. ومن حق السعودية أن تطرح رؤيتها، كما أن من حق الجنوبيين أن يرفضوا أي مسار يرونه غير معبّر عن تطلعاتهم، وأن يطالبوا بضمانات حقيقية تحفظ قضيتهم من التهميش أو الالتفاف.
يا جارتنا العزيزة، لا تراهنوا على تعب الجنوبيين، ولا على أن طول المعاناة سيجعلهم يتنازلون عن مطالبهم، ولا على أن اختلافاتهم ستمنح الآخرين حق تقرير مصيرهم نيابة عنهم.
لقد دفع أبناء الجنوب أثماناً باهظة من دمائهم وأمنهم واستقرارهم، وقدموا تضحيات لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن مستقبلهم. ومن حقهم أن يكونوا أصحاب الكلمة الأولى في قضيتهم، وأن يُحترم اختيارهم السياسي، وأن تُناقش مطالبهم بجدية وشفافية، بعيداً عن الضغوط والمناورات.
والرسالة الأخيرة واضحة: لا حوار بلا تمثيل حقيقي، ولا حلول مستدامة بلا معالجة لجذور القضية، ولا مستقبل مستقراً إذا جرى تجاهل إرادة أصحاب الأرض.
فإن كانت النوايا صادقة، فليكن الحوار طريقاً إلى حل عادل، لا وسيلة لتجاوز المطالب الجنوبية أو الالتفاف عليها. وإن كان الهدف مجرد إعادة ترتيب المشهد السياسي بعيداً عن تطلعات الشارع، فإن الأسئلة ستظل قائمة، والثقة ستظل مرهونة بالأفعال لا بالشعارات.
الجنوب ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا قضية قابلة للتدوير إلى ما لا نهاية. إنه قضية شعب، ومستقبله يجب أن يُصنع بإرادته، وبحوار حقيقي يحترم حقه في اختيار الطريق الذي يراه مناسباً لمستقبله.
وكفى استهانة بوعي الشعوب؛ فالحقوق لا تسقط بطول الانتظار، والقضايا لا تُحل بتغيير الوجوه، وإرادة الناس لا يمكن أن تكون بديلاً عنها أي طاولة حوار!