بين واشنطن وطهران.. هل تلعب الرياض على حافة الخطر
الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - 11:02 م
صوت العاصمة/ بقلم / بشير الهدياني
في تقديري، لا تقف الحسابات السعودية عند حدود الحرب الدائرة في المنطقة، بل تمتد إلى محاولة استباق مواجهة أمريكية إيرانية محتملة، قد تستهدف قلب النظام الإيراني وتغييره بنظام موالٍ لواشنطن.
فالسعودية، التي تتعرض أراضيها ومنشآتها لتهديدات الصواريخ والمسيرات الحوثية بشكل مستمر، تدرك أن أي ضربة أمريكية لإيران قد تضعها في مقدمة الأهداف الإيرانية، وهو ما يدفع الرياض إلى محاولة تحصين نفسها من تداعيات مواجهة قد تتجاوز حدودها. ومن هنا، يمكن فهم مساعيها للتقارب مع طهران باعتبارها محاولة لانتزاع تفاهمات تضمن تحييد أراضيها عن أي رد إيراني محتمل.
لكن هناك احتمالًا آخر، يتمثل في أن الرياض تحاول رسم مسار سياسي جديد يمنحها هامشًا أوسع للمناورة، حتى لو تقاطعت بعض حساباته مع توجهات حليفها الأمريكي الذي ارتبطت به استراتيجيًا لعقود. فقد ترى السعودية في التقارب مع طهران فرصة لتقليص التهديدات المحيطة بها، وتجنب الاستهداف، وتأمين موقعها في مواجهة أي ترتيبات استراتيجية قد تفرضها المرحلة المقبلة.
وزيارة وزير الدفاع السعودي، إلى جانب التحركات المرتبطة بهذا التقارب، قد يقرأها البعض باعتبارها تراجعًا أمام طهران، بينما قد تكون في الحسابات السعودية محاولة لتجنب مواجهة أوسع، أو شراء مساحة من الوقت في مرحلة تتزايد فيها احتمالات التصعيد.
غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في أن ما تراه الرياض تحوّطًا سياسيًا قد تقرأه طهران بطريقة مختلفة، أو تتعامل معه باعتباره فرصة لاختبار الموقف السعودي واستثمار مخاوفه. وهنا تدخل الحسابات السعودية في مواجهة مع تعقيدات السياسة الإيرانية وأساليبها في التفاوض والمناورة، إذ إن أي تفاهم لا يستند إلى ضمانات واضحة قد يتحول من وسيلة لتجنب الخطر إلى مدخل لمزيد من الضغوط.
فهل تنجح الرياض في تحييد نفسها عن مواجهة قد تنفجر بين واشنطن وطهران، أم أن حسابات الفرس ستجعلها تدفع ثمنًا سياسيًا لاستباق الخطر قبل أن تتضح ملامح المواجهة.
أما فرص إنهاء الحرب بصورة نهائية، فلا تبدو مضمونة في ظل تجارب سابقة وتناقض المصالح والتوجهات السياسية داخل حلف مكة. وحتى إذا أفضت التحركات الحالية إلى تهدئة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة الوصول إلى تسوية مستدامة، فقد تكون التهدئة مجرد مرحلة مؤقتة تسبق جولة أكثر تصعيدًا، ما دامت أسباب الخلاف قائمة ولم تُعالج جذريًا.
وبعيدًا عن الحسابات السياسية ومناورات الدول، فإننا كمواطنين عرب نتطلع منذ عقود إلى رؤية حلف عربي إسلامي حقيقي، لا تحكمه المصالح المتبادلة وحدها، ولا تُعقد تفاهماته على حساب معاناة شعوب عربية وإسلامية أخرى. نريد تحالفًا يحمي الشعوب، وينتصر للمظلومين، ويصون كرامة المجتمعات وحقوقها، ويجمع الأمة حول مصالحها المشتركة، بدلًا من أن تتحول معاناة البعض إلى ثمن تدفعه الشعوب مقابل تفاهمات سياسية بين الآخرين.
في النهاية، لا قيمة لأي تحالف إذا كانت مصالح الدول تُحمى على حساب الشعوب، ولا معنى لقوته إذا كان صمتُه عن معاناة الأمة جزءًا من حساباته السياسية.