"لا أكسجين ولا وقود".. أبناء تعز يواجهون خطر الموت
الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - 12:21 ص
صوت العاصمة/ تعز
تواجه مدينة تعز أزمة إنسانية وصحية متفاقمة مع استمرار إغلاق طرق الإمداد وتعثر وصول الوقود والمستلزمات الطبية والغذائية، في ظل المعارك المستمرة منذ أسابيع، ما يهدد حياة المرضى وحديثي الولادة ويضع المستشفيات أمام خطر تقليص خدماتها أو التوقف عن العمل.
وتكشف تداعيات الحصار عن كلفة إنسانية تتجاوز خطوط المواجهة، بعدما اضطر المستشفى اليمني السويدي المتخصص في الأمومة والطفولة إلى خفض عدد الحضانات التي يستطيع تشغيلها من 40 إلى 10، نتيجة نقص الوقود، وسط تحذيرات من أن استمرار الأزمة قد يحرم الأطفال الخدج وحديثي الولادة من الرعاية اللازمة.
وقالت ندى أحمد، الممرضة في وحدة حديثي الولادة بالمستشفى، إن المنشأة تعاني نقصاً في الأكسجين والوقود اللازم لتشغيل الحضانات، فيما حذرت نوال نجيب، المشرفة على الوحدة، من احتمال توقف العمليات إذا لم تصل إمدادات الوقود، مؤكدة أن استمرار الحصار قد يؤدي إلى وفيات وإعاقات بين الأطفال.
وتواجه المدينة عزلة متزايدة منذ الثالث من أكتوبر، بحسب المعلومات الواردة، مع تعثر دخول الإمدادات الإنسانية وقيود حركة المدنيين جراء تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية وميليشيا الحوثي، التي أغلقت طرق إمداد رئيسية، بينها الطريق الرابط بين تعز وعدن، وفقاً للمعلومات والتصريحات الواردة في التقرير.
المستشفيات أمام خطر التوقف
ولا تقتصر الأزمة على مستشفى واحد؛ إذ قال المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، كريستيان ليندماير، إن 42 منشأة صحية في مدينة تعز أبلغت عن نقص حاد في الوقود والأكسجين والأدوية والإمدادات الطبية، في مؤشر على اتساع الضغط على القطاع الصحي وعجزه عن تلبية احتياجات المرضى بصورة طبيعية.
ويعني استمرار نقص الوقود تهديداً مباشراً لتشغيل المولدات الكهربائية والأجهزة الطبية، بما فيها الحضانات وغرف العمليات ووحدات العناية المركزة، فيما يضاعف غياب الأكسجين والأدوية مخاطر تدهور الحالات الحرجة.
وفي ظل هذه الظروف، لم تعد معاناة السكان مقتصرة على صعوبة الوصول إلى الخدمات، بل امتدت إلى قدرتهم على تحمّل تكاليف العلاج والتنقل. وقال سائق يدعى عبد الله الردفاني إن سعر لتر الوقود ارتفع إلى ألفي ريال يمني، في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على تغطية نفقات المعيشة والرعاية الصحية.
ونقلت المعلومات عن مديرة السياسات والمناصرة والإعلام في منظمة أوكسفام باليمن، فاطمة جعفر، أن مريضاً يحتاج إلى غسيل الكلى بات مضطراً إلى قضاء ليلتين في مركز الرعاية الصحية بدلاً من العودة إلى منزله بين الجلسات، بعدما ارتفعت تكلفة التنقل من نحو نصف دولار إلى قرابة عشرة دولارات. وقالت إن نقص الوقود داخل المدينة يخلّف آثاراً كارثية على حياة السكان.
الجوع وسوء التغذية يفاقمان الكارثة
وتتزامن أزمة الوقود والخدمات الصحية مع تدهور الأمن الغذائي، إذ أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن أكثر من 800 ألف شخص انقطعت عنهم المساعدات الغذائية في تعز والمناطق المحيطة بها، ما يزيد المخاوف من اتساع رقعة الجوع وسوء التغذية بين الأسر الأكثر هشاشة.
وقال المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، ريكاردو بيريس، إن 52 ألف طفل من أصل 168 ألفاً خضعوا للفحص في تعز خلال العام الجاري يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 11,500 طفل يعانون من سوء تغذية مزمن وحاد، وفق الأرقام التي أوردها التقرير.
ورغم توفير نحو ثمانية آلاف عبوة من الأغذية العلاجية المنقذة للحياة، بما يكفي لدعم خدمات العلاج قرابة ثلاثة أشهر، حذرت يونيسف من أن تزايد انعدام الأمن وقيود الحركة قد يعرقلان إيصال الإمدادات ويحُولان دون وصول العائلات إلى مراكز العلاج.
ولا تقف التداعيات عند حدود تعز؛ فقد حذرت منظمة أطباء بلا حدود من أن نقص الوقود يتسبب في انقطاع الكهرباء عن مستشفيات ومراكز رعاية صحية أولية في عدن ولحج، ما يؤثر على غرف العمليات ووحدات العناية المركزة. كما أظهرت فحوص أجرتها المنظمة بين 15 سبتمبر و22 أكتوبر على 299 طفلاً دون الخامسة في عياداتها المتنقلة بالمحافظتين، إصابة 44 طفلاً بسوء التغذية الحاد المتوسط، و28 آخرين بسوء التغذية الحاد الذي يستدعي رعاية طبية في المستشفى.
وتضع هذه المؤشرات تعز أمام أزمة تتداخل فيها قيود الإمداد مع تراجع القدرة الشرائية ونقص الخدمات الصحية والغذائية، فيما يتحمل المدنيون، وبينهم الأطفال والمرضى المزمنون، العبء الأكبر من استمرار القتال وإغلاق الطرق.
ولا يقتصر التحدي على توفير شحنات عاجلة من الوقود والأكسجين والأدوية، بل يتطلب ضمان وصولها بصورة منتظمة وآمنة، وفتح مسارات إنسانية تتيح للمرضى الوصول إلى العلاج وللعائلات الحصول على الغذاء. فاستمرار تعطل الإمدادات يهدد بتحويل نقص الموارد إلى خسائر بشرية كان بالإمكان الحد منها عبر حماية الخدمات المدنية وتأمين وصول المساعدات