حلف قريش والمجوس حين تتصالح العواصم، وتُحاصَر الشعوب، وتُباع التحالفات
الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - 11:42 م
صوت العاصمة/ كتب/ فضل صالح
ليست التحالفات السياسية عهودًا أبدية، ولا الشعارات المذهبية ضماناتٍ للوفاء؛ فالدول تتحرك وفق مصالحها، وتعيد ترتيب خصوماتها وتحالفاتها كلما تغيرت موازين القوة. وحين تتعارض المبادئ المعلنة مع الحسابات الاستراتيجية، قد تتراجع الشعارات، وتُعقد الصفقات خلف الأبواب المغلقة، وتجد الشعوب نفسها تدفع ثمن تفاهمات لم تشارك في صنعها.
وفي المشهد اليمني، تبرز مفارقة تستحق المساءلة: تقارب سعودي مع إيران، وتحركات لبناء ترتيبات دفاعية إقليمية، بالتزامن مع تراجع القوى الجنوبية التي شاركت في مواجهة الحوثيين، وتعرضها لضغوط عسكرية وسياسية تهدد موقعها ومستقبل قضيتها. فهل نحن أمام إعادة ترتيب للتحالفات بما يضمن مصالح الدول، ولو كان ذلك على حساب الجنوب وحقوق أبنائه؟
من هنا يأتي عنوان *«حلف قريش والمجوس»*، استدعاءً لذاكرة تاريخية ارتبطت بالحصار والمقاطعة ومحاولة إخضاع الخصوم. فقد تحالفت قريش على مقاطعة النبي محمد ﷺ وبني هاشم وبني المطلب، وحاصرتهم في شِعب أبي طالب، سعيًا إلى عزلهم والضغط عليهم. وليس المقصود مطابقة التاريخ بالحاضر، بل استحضار دلالته السياسية: قد تتفق القوى المتنفذة على ترتيبات تخدم مصالحها، بينما تُقصي أطرافًا أخرى وتتركها تواجه مصيرها وحدها.
أما وصف إيران *بـ«المجوس»* في عنوان المقال، فيأتي ضمن الخلفية التاريخية لعبدة النار، وموقفه السياسي والمذهبي من نفوذها الإقليمي، الذي تعزز عبر دعم جماعات مسلحة، وفي مقدمتها الحوثيون في اليمن. فقد أصبح الحوثيون قوة عسكرية وسياسية قادرة على تهديد الأراضي السعودية والملاحة البحرية، والتأثير في أمن المنطقة، مستفيدين من هشاشة الدولة اليمنية ومن امتداد الصراع الداخلي إلى حسابات القوى الإقليمية. وهكذا تحولت اليمن إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ، بينما يدفع شعبها أثمان الحرب والانقسام.
*من عاصفة الحزم إلى تفاهمات المصالح*
أطلقت السعودية «عاصفة الحزم» عام 2015 تحت شعار استعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي، وقادت تحالفًا عسكريًا واسعًا. لكن سنوات الحرب لم تحقق الهدف المعلن المتمثل في إنهاء سيطرة الحوثيين واستعادة الدولة اليمنية الموحدة؛ بل بقي الحوثيون قوة مؤثرة، واستمرت التهديدات الأمنية، وتعمقت الانقسامات داخل المعسكر المناهض لهم.
وبعد هذا المسار الطويل، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة التحولات السعودية الراهنة: *هل تقود التفاهمات مع إيران إلى معالجة أسباب الصراع، أم إلى تسوية تركز على تأمين المصالح السعودية، بصرف النظر عن مصير القوى المحلية التي تحملت أعباء المواجهة؟*
وهنا تكمن القضية الجنوبية في قلب المشهد: *هل يمكن أن تتحول حقوق الجنوبيين إلى ثمن تدفعه الأطراف الأضعف مقابل تفاهمات إقليمية تحفظ مصالح الأطراف الأقوى، بينما يُترك الجنوب لمصيره؟*
*حضرموت والمهرة: حين يتبدل الحليف إلى خصم*
تقدم التطورات التي شهدتها حضرموت والمهرة مطلع يناير 2026 سياقًا مهمًا لفهم هذه المخاوف. فقد استعادت قوات مدعومة سعوديًا السيطرة على المحافظتين بعد مواجهات مع القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي صاحب الأرض، وسط تقارير عن ضربات جوية سعودية استهدفت مواقع للقوات الجنوبية.
لم تكن هذه التطورات مجرد تبدل في السيطرة الميدانية؛ بل كشفت عن تحول حاد في العلاقة بين الرياض وقوى جنوبية كانت شريكة معها في المعسكر المناهض للحوثيين. وهو تحول يفرض أسئلة صعبة عن حدود الشراكة، وطبيعة الالتزامات المتبادلة، وموقع القضية الجنوبية في الحسابات السعودية.
*فكيف يُطلب من الجنوبيين الاطمئنان إلى تحالفات لم تمنع المواجهة معهم؟*
*وكيف يُنتظر منهم التسليم بترتيبات سياسية قد تحدد مستقبلهم، بعدما وجدوا أنفسهم أمام ضغوط عسكرية أضعفت موقعهم وأثارت مخاوفهم بشأن قضيتهم؟*
إن الإشكال لا يكمن في أن تتغير التحالفات؛ فذلك من طبيعة السياسة الدولية. وإنما يكمن في أن تُقدَّم الشراكة بوصفها التزامًا حين تقتضي المصالح، ثم يُهمَّش الشريك عندما تتغير الحسابات، من دون ضمانات تحفظ حقوقه أو تتيح له المشاركة في تقرير مستقبله.
*اتفاق مسقط وأسئلة الصفقة الإقليمية*
تزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل التحركات الدبلوماسية الإقليمية، والتعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، ومصر، والمساعي الرامية إلى احتواء التصعيد مع إيران والحوثيين. وفي هذا السياق، يأتي اتفاق مسقط، ليثير تساؤلات إضافية بشأن طبيعة التفاهمات الجارية، والأطراف التي ستستفيد منها، والقضايا التي قد تُترك خارج حساباتها.
فإذا كانت العواصم تسعى إلى ترتيبات تنهي التهديدات التي تواجهها، فمن حق الجنوبيين أن يسألوا:
*أين تقع حقوقهم من هذه الترتيبات؟*
*وهل توجد ضمانات تمنع تحويل الجنوب إلى ورقة تفاوضية، أو فرض تسوية عليه من دون موافقة أبنائه وتمثيل سياسي حقيقي لهم؟*
ولا يكفي، في هذا المقام، افتراض وجود صفقة لتسليم الجنوب للحوثيين من دون دليل مباشر على ذلك؛ فمثل هذا الادعاء يحتاج إلى ما يثبته من نصوص أو وقائع موثوقة. لكن غياب الدليل القاطع على وجود صفقة كهذه لا يلغي مشروعية التحذير من نتائج التفاهمات الإقليمية إذا جرت بمعزل عن الجنوب، أو إذا أفضت إلى إضعاف قواه السياسية والعسكرية، من دون أن تضمن حقوقه ومستقبله.
فالمعيار ليس ما تعلنه العواصم عن نواياها، بل ما تفضي إليه تفاهماتها على الأرض:
*من تُحمى مصالحه، ومن يُستبعد من القرار، ومن يتحمل كلفة التسوية؟*
إن أي تفاهم سعودي إيراني لا يضمن معالجة التهديد الحوثي، ولا يراعي حقوق الأطراف اليمنية، قد يحقق هدوءًا مؤقتًا على جبهة ما، لكنه يترك أسباب الصراع قائمة على جبهات أخرى. وإذا اقتصر الاهتمام على أمن الحدود والمصالح الاستراتيجية، بينما تُرك الجنوب أمام ضغوط تفرض عليه واقعًا سياسيًا لا يختاره، فإن السلام المعلن لن يكون سلامًا عادلًا، بل تسوية ناقصة قابلة للانفجار مجددًا.
*هل يُترك الجنوب لمصيره؟*
إن أخطر ما قد تنتجه الصفقات الإقليمية هو أن تتصالح الدول على حساب القوى المحلية، وأن تتحول الشعوب إلى أوراق تفاوض، تُستدعى حين تقتضي المصالح، ثم تُهمَّش حين تتغير الأولويات.
وفي الحالة الجنوبية، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف على النفوذ أو توزيع المناصب، بل بحق شعب في المشاركة السياسية، وتحديد مستقبله، وحماية مصالحه من الإقصاء والإخضاع. وهذه حقوق لا ينبغي أن تكون رهينة رضا العواصم أو تقلب التحالفات.
ومن هنا، فإن أي تسوية تتعلق بمستقبل الجنوب يجب ألا تُفرض عليه من الخارج، وألا يُختزل تمثيله في ترتيبات تعقدها القوى الإقليمية فيما بينها. فالجنوبيون ليسوا مجرد قوة ميدانية يمكن استخدامها في مرحلة، ثم تجاوزها في مرحلة أخرى؛ إنهم أصحاب قضية سياسية لا يمكن تجاوزها إذا كان المطلوب سلامًا مستدامًا.
أما حماية السنة في الجنوب، فلا ينبغي أن تبقى شعارًا مذهبيًا يُستحضر عند الحاجة، ثم يغيب حين تُعقد الصفقات. فالحماية الحقيقية لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل بضمان الأمن، وصيانة الحقوق، ومنع الإقصاء، وتوفير مشاركة سياسية عادلة. ولا يجوز أن تتحول الهوية الدينية إلى غطاء لتبرير التنازلات السياسية، كما لا يجوز استخدام المخاوف المذهبية لتغذية الانقسام أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
*شِعب أبي طالب جديد؟*
هنا تتضح دلالة المقارنة بحلف قريش: ليست المسألة أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، وإنما أن الحصار قد يتغير شكله، بينما تبقى غايته واحدة حين يُستخدم لإخضاع طرف وإجباره على قبول ما لا يختاره.
فقد كان الحصار في شِعب أبي طالب مقاطعةً وعزلًا وضغطًا مباشرًا؛ أما في السياسة المعاصرة، فقد تتخذ أدوات الإقصاء صورًا مختلفة، من العزل السياسي إلى الضغط العسكري، ومن تهميش التمثيل إلى فرض ترتيبات إقليمية لا يملك أصحاب القضية حق الاعتراض عليها.
لذلك، فإن الخشية ليست من مجرد تقارب سعودي إيراني، فالتفاوض في ذاته أداة مشروعة لإنهاء النزاعات. إنما الخشية من أن يتحول هذا التقارب إلى تسوية تُطمئن العواصم، بينما تُترك القوى الجنوبية أمام نتائجها من دون ضمانات سياسية أو أمنية، أو يُفتح المجال أمام تمدد الحوثيين نتيجة اختلال موازين القوة وإضعاف الأطراف التي تواجههم.
إن حقوق الجنوبيين ليست ورقة للمقايضة بين الرياض وطهران، ومستقبل الجنوب ليس شأنًا تقرره العواصم بمعزل عن أبنائه. فحق المشاركة السياسية، ورفض الإقصاء، وحماية المدنيين، وضمان التمثيل العادل، مبادئ لا تسقط بتغير التحالفات، ولا تنتقص منها حاجة الدول إلى التسويات.
ومن ثم، فإن حماية القضية الجنوبية لا تكون بالارتهان الكامل لأي قوة إقليمية، بل بوحدة الموقف، وبناء المؤسسات، وتوسيع التمثيل السياسي، والتمسك بالحقوق، وتحصين القرار الجنوبي من التبعية لتقلبات المصالح الخارجية. فالدول تتحرك وفق حساباتها، وقد تتخلى عن حلفائها عندما تتعارض التزاماتها معهم؛ أما الشعوب، فلا ينبغي أن ترهن مستقبلها لوعود لا تملك ضمانات تنفيذها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الرياض بوضوح:
*هل تريد تسوية تنهي الحرب وتحفظ حقوق الجنوبيين وتمنحهم حق المشاركة في تقرير مستقبلهم، أم تفاهمًا يضمن أمنها ويعيد ترتيب مصالحها، بينما يُترك الجنوب لمصيره؟*
ذلك هو الفارق بين سلام يصون الحقوق وصفقة تُدار على حساب أصحابها؛ بين تفاهم يعالج جذور الصراع وآخر يؤجل انفجاره؛ وبين شراكة تحترم إرادة الشعوب وتحالف لا يرى فيها إلا أوراقًا قابلة للاستبدال.
وإذا أُبرمت التفاهمات بعيدًا عن إرادة الجنوبيين، وأُضعفت قواهم ثم تُركوا لمواجهة نتائج التسويات وحدهم، فقد يواجه الجنوب حصارا تتغير أدواته، وتبقى فيه إرادة الشعوب هي المستهدفة باسم المصالح والتحالفات.
*فضل صالح*