قراءة تحليلية.. كيف تلاقت مصالح قوى الشمال بما فيها الحو.ثي لمنع استقلال الجنوب؟
الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - 01:34 ص
صوت العاصمة/ بقلم/ الصحفي صالح حقروص
لا يمكن فهم ما يجري في اليمن والمنطقة بمعزل عن سؤال الدولة الجنوبية واستعادة عاصمتها عدن. فمنذ سنوات، بدت خيوط المشهد تتقاطع بين قوى الشمال بمختلف مكوناتها، ومن بينها الحوثي، في اتجاه واحد: منع استقلال الجنوب وإجهاض أي مشروع لاستعادة دولته.
وهذا ما يمكن قراءته في خطتين متكاملتين، وإن اختلفت أدواتهما وتوقيتهما.
*الخطة الأولى: التمكين المتبادل*
قامت على قاعدة التمكين المتبادل. فقوى الشمال لم تقاتل الحوثي ولم تحرر صنعاء، بل مكنته من السيطرة على أغلب محافظات الشمال ومناطقه. وكان الهدف مزدوجاً: منع استقلال الجنوب واستعادة دولته وعاصمتها عدن، وإيصال رسالة إلى السعودية بأن تحرير صنعاء يمكن أن يقابله تمكين الشمال من السيطرة على الجنوب واحتلاله.
وهو ما حدث فعلياً في أغسطس 2019، لكن المحاولة فشلت بفضل صمود أبناء الجنوب ومساعدة الطيران الإماراتي. ولأن الفشل كان مؤلماً، طالبت قوى الشمال بإخراج الإمارات من قوات التحالف العربي، وهو ما جرى نهاية عام 2019، ليبقى دور الإمارات محصوراً في دعم القوات المسلحة الجنوبية ضمن جهود مكافحة الإرهاب والتعاون الدولي.
*الخطة الثانية: الصفقة الأخطر*
أما الخطة الثانية فقد كانت أكثر خطورة في طموحها. فقد قال الحوثي وقوى الشمال للسعودية صراحة إنه إذا كان "عفاش" قد تنازل لها عن جيزان ونجران وعسير والشرورة والوديعة وخرخير وعروق الشيبة وغيرها، مقابل ضمان بقاء الوحدة اليمنية ومنع استقلال الجنوب، فإنهم مستعدون لتحقيق أهداف السعودية وأطماعها الجديدة في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة، والحصول على منفذ بحري على البحر العربي لتجاوز تهديد إغلاق مضيق هرمز، مقابل منع استقلال الجنوب واستعادة دولته وعاصمتها عدن.
وأن تتم التسوية السياسية للملف اليمني وفق مخرجات الحوار، بما يمكّن الحوثيين وقوى وكيانات الشمال من السيطرة على السلطة وصنع القرار.
وقد تم الاتفاق السري على ذلك، باعتبار الحوثي أداة إيرانية في المنطقة، بينما لم تكن السعودية تدرك أن الحوثي جاء لما هو أكبر، وأنه يعمل ضمن مشروع دول كبرى يستهدف تحقيق هدفين استراتيجيين: الأول إجبار السعودية على التطبيع مع إسرائيل، والثاني خنق مصر اقتصادياً وحرمانها من 50% من عائدات قناة السويس، لما لذلك من أهمية في إضعاف الجيش المصري ومنع تطوير قدراته العسكرية.
*ما بعد إعلان 2 يناير*
وبعد أن أعلن الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي في 2 يناير 2026 "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي" لاستعادة الدولة المستقلة وعاصمتها عدن، قوبل ذلك بغضب شديد من الحوثيين وكافة قوى الشمال، وطالبوا السعودية بإخراج الإمارات من الجنوب، واتخاذ سلسلة من الإجراءات والخطوات الهادفة إلى منع تنفيذ الإعلان الدستوري، وذلك في إطار التفاهمات والاتفاقات السرية بين الطرفين.
إلا أن السعودية اكتشفت بعد فوات الأوان أن أطماعها، التي جعلتها تغدر بالإمارات والجنوب من أجل تحقيقها، ستقودها في نهاية المطاف إلى خطر التقسيم إلى عدة دول. وهو ما دفعها إلى توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان وتركيا، في محاولة لمنع تحقيق ما يخططه الأعداء لها.
إلا أن تلك الخطوة كشفت عن استمرار التخبط في السياسة السعودية وسيطرة الإخوان على القرار السعودي، ولا سيما أن اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا لا تخدم الهدف المنشود، وقد فُضلت على مصر التي كان يفترض أن توقع الاتفاقية معها.
وفي الأخير، تقف مصر اليوم مع السعودية التي تآمرت مع خونة اليمن في الستينيات، وقتلوا عشرات الآلاف من الجنود المصريين في اليمن، وكانوا من بين أسباب هزيمة الجيش المصري في حرب عام 1967، واليوم تنقذ مصر السعودية.
وهنا تتكشف الحقيقة عارية: من راهن على الغدر لن يجني إلا الخوف من التقسيم، ومن باع الجنوب لن يجد في النهاية إلا من يبيعه. وسيبقى الخائن خائناً، ويبقى الأصيل أصيلاً.