حين يتحوّل النصح إلى وقود للفرقة!!!
الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - 08:35 م
كتب/ الشيخ أنور العمري- نائب وزير الأوقاف والإرشاد
من المؤسف أن تتحول بعض المنابر ووسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتصفية الحسابات، وتتبع العثرات، ونبش الأخطاء بين أبناء الصف الجنوبي الواحد، على أيدي أشخاص لا يكاد يشغلهم سوى تأجيج الخلافات، وصناعة الخصومات، والاصطياد في المياه العكرة، تحت لافتة النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والأشد غرابة أن بعض هؤلاء يتعاملون وكأنهم أوصياء على الناس، منزّهون عن الخطأ والمراجعة، وينصّبون أنفسهم قضاة على نوايا الآخرين وأعمالهم، متناسين قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا﴾. فالنصيحة في ديننا أمانة وإصلاح، وليست تشهيرًا أو انتقاصًا من كرامات الناس، ولا وسيلة لبث الفرقة وتمزيق الصفوف.
لسنا ضد النصح، ولا ندافع عن الخطأ أيًّا كان مصدره؛ فباب النصيحة مفتوح، وتصويب الأخطاء واجب، لكن للنصيحة آدابها وضوابطها الشرعية، وللإصلاح حكمته ووسائله. أما تحويل المنصات إلى محاكم للتشهير، ومنابر لتصيد الزلات وتأليب الناس بعضهم على بعض، فلا يحقق إصلاحًا، بل يوسّع دائرة الشقاق، ويخدم خصومنا من حيث لا يحتسب أصحابه.
وهنا يبرز السؤال: لماذا تُوجَّه هذه السهام إلى أبناء الصف الواحد في هذا التوقيت تحديدًا؟ ولماذا تُستنزف الجهود في ملاحقة بعضنا بعضًا، بينما نواجه عدوًا لا يرحم، ونخوض معركة مصيرية في مواجهة المليشيا الحوثية ومشروعها العدائي؟ أليس الأجدر بهذه الأقلام أن توجّه جهودها إلى كشف جرائم العدو ومواجهة مشروعه، بدلًا من إشغال الساحة بمعارك جانبية لا تخدم إلا خصومنا؟
إن المرحلة الراهنة ليست مرحلة تصفية حسابات، ولا ادعاء للوصاية الأخلاقية، ولا ملاحقة لأخطاء الآخرين، بل هي مرحلة وعي ومسؤولية وتماسك، وتغليب للمصلحة الوطنية العليا. فالاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، والخطأ لا يجوز أن يكون ذريعة للنيل من الأشخاص أو هدم الصفوف.
اتقوا الله في أعراض المسلمين، واحفظوا للناس كراماتهم، واعلموا أن الإصلاح لا يكون بتمزيق الصف، وأن الانتصار للقضية لا يتحقق بإضعاف أهلها.
إن عدونا لا يفرّق بين من نختلف معهم ومن نتفق معهم؛ ومن هنا فإن رصّ الصفوف اليوم ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المعركة وحجم التحديات ومصير الجنوب.
فلنختلف بأدب، ولنتناصح بحكمة، ولنوجّه سهامنا نحو عدونا، لا إلى صدور بعضنا بعضًا؛ فالأوطان لا تُحمى بتناحر أبنائها، والقضايا العادلة لا تنتصر بتمزيق صفوف أصحابها.