المفارقة الجيوسياسية للنزوح الشمالي نحو الجنوب: دراسة نقدية لمفاهيم الاحتلال والسيادة والاستحقاق الثوري
السبت - 31 أكتوبر 2026 - 12:31 ص
صوت العاصمة/ كتب/ حافظ الشجيفي
لم يُسجَّل في مدونات التاريخ البشري، ولا في أدبيات حركات التحرر الوطني عبر العصور، أن بلداً يناضل ويقاتل بكل أشكال البسالة لكي يتحرر من وطأة بلد آخر يحتله بالقوة الغاشمة، ثم يتفاجأ العالم بنزوح أبناء وسكان البلد الذي يمارس الاحتلال إلى أراضي البلد الذي يعاني من هذا الاحتلال ويقع تحت تدخله القسري. في ظاهرة جيوسياسية فريدة ولا تحدث ابد حيث تتجسد اليوم في أبشع صورها وأكثرها غرابة؛ إذ تستمر قوى اليمن الشمالي، أو ما كان يُعرف بالجمهورية العربية اليمنية، في فرض احتلالها للجنوب وممارسة السيطرة عليه، في الوقت الذي يقدم فيه الجنوب شهداءه وتضحياته الجسام ويقاتل منذ عقود طوال لإسقاط هذا الاحتلال والدفاع عن حياض أرضه. ومع هذا الصراع المصيري المستمر، يتدفق أبناء الجمهورية العربية اليمنية وينزحون بأعداد هائلة نحو الجنوب، في مشهد يثير الذهول والتساءل الاستنكاري حول كيفية حدوث هذا التداخل غير المنطقي، وعن المعايير الشاذة التي تعتمدها القوانين الدولية والمنظمات الأممية في تقييم وتكييف هذه الظاهرة الغريبة التي تخالف العرف السياسي والسلوك الإنساني السليم في زمن الحروب والاستعمار.
والأمر الأكثر غرابة ودهشة، والذي يتجاوز حدود المنطق ولا يستسيغه العقل السياسي الحي، يكمن في موقف القبول والاستقبال الذي يبديه البعض في الجنوب تجاه هؤلاء النازحين الشماليين وتواجدهم في أرضهم. إذ لا يوجد على امتداد التاريخ الحديث أو القديم أي بلد محتل يخوض حرباً مصيرية ويقدم الدماء الزكية ويقاوم القوة الغاصبة ليل نهار، ثم يتقبل ويستقبل في ذات الوقت تدفق النازحين القادمين من جغرافية ذلك البلد ذاته الذي يحتله ليقاسموه الأرض والخدمات والأمان. فهذا التسامح الذي يمارسه الجنوبيون يتنافى مع أبسط قواعد الحيطة الوطنية والوعي الثوري، ويشكل انحرافاً عن المسار المتعارف عليه لدى الشعوب الواقعة تحت خط النار والتي تسعى للانفكاك من ربقة الاحتلال.
ومع هذا الواقع المعقد، فإن الحق السيادي والأخلاقي المطلق يكفل للجنوب أن يرفض هؤلاء النازحين قاطبة، وألا يستقبلهم أو حتّى يلتفت إلى وجودهم على أراضيه؛ وهذا الرفض لا ينطلق فقط من كون هؤلاء الوافدين يشكلون خطورة أمنية داهمة وخلايا نائمة محتملة قد تعصف باستقراره ، ولا لأن استقبالهم يتعارض تعارضاً صارخاً مع الأهداف العليا للثورة الجنوبية المتمثلة في التحرير والاستقلال والتخلص الناجز من الاحتلال وآثاره فحسب، بل لأن القبول بهم وتسهيل استقرارهم في الجنوب يخدم مباشرة نهج الاحتلال وأهدافه التوسعية، ويعزز وجوده الديمغرافي والعسكري، ويمنحه أوراق نفوذ جديدة تعيد إنتاج سيطرته تحت لافتات إنسانية مخادعة.
وبناءً على هذه الحقائق المتشابكة، فإن من حق الجنوبيين الكامل، بل ومن واجبهم الوطني المباشر، أن يرفضوا هؤلاء النازحين ويرحلوهم من بلدهم كليا، لاعتبارات وطنية وثورية وسياسية وأخلاقية بليغة. إذ تجب المساءلة النقدية للضمير الجمعي: كيف للشعب الجنوبي أن يواصل تقديم الشهداء والجرحى، وسكب الدماء الزكية في ميادين الشرف من أجل تحقيق استقلاله وتطهير أرضه من الغزاة المحتلين، ليفاجأ في الوقت نفسه بأنه يتلقى رعايا هذا المحتل في عمق أراضيه ويفتح لهم مدنه ومؤسساته.. فهذا التناقض الصارخ يفرغ التضحيات الوطنية من مضمونها ويهدد النصر الذي سُكب الجنوبيين لأجله غالي الدماء.
إن الاستناد إلى المفهوم المجرد للإنسانية في هذا السياق يعد مغالطة سياسية وفكرية كبرى؛ فالإنسانية وقواعدها لا تنطبق على بلد يناضل ضد الاحتلال ويعاني من ويلات العدوان ويسعى بكل حواسه لتحرير أراضيه من الهيمنة الخارجية. فشروط وقوانين الإنسانية لا تتوفر في الحالة الجنوبية ولا يمكن إسقاطها عليه قسراً لتكبيل إرادته السيادية، ولا سيما مع توفر مناطق شاسعة وآمنة تماما داخل جغرافيا بلد الاحتلال ذاته (الجمهورية العربية اليمنية)، وهي مناطق بعيدة كل البعد عن مسرح المواجهات العسكرية وخطوط التماس. وبالتالي، فإن مغادرة أولئك النازحين لمناطقهم الآمنة في الشمال والتوجه نحو أراضي الجنوب المحررة يبرهن على وجود مقاصد جيوسياسية وتوجيهات مشبوهة ترعاها قوى الاحتلال لإحداث اختراق ديمغرافي.
وفي هذا الإطار الثوري التحرري، فإن الإجراءات التي اتخذها أبناء محافظة الضالع مؤخرا في طرد أبناء الجمهورية العربية اليمنية وإبعادهم عن حدودهم تُعد عملاً وطنياً حازماً، وفصلاً ثورياً والأخلاقياً أصيلاً ينسجم تماماً مع المبادئ الدولية المستقرة التي تعطي الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الحق الكامل في حماية أراضيها وتأمين جبهتها الداخلية بكل الوسائل. وهذا السلوك الوطني المستحق في الضالع لا علاقة له بالقانون الدولي الإنساني أو حقوق الإنسان بالشكل المزيف الذي يحاول البعض توظيفه لتبرير الاستيطان الناعم، بل هو ممارسة سيادية مشروعة تهدف إلى صون دماء الشهداء وإغلاق منافذ التسلل، وتأكيد حق الشعب الجنوبي الناجز في فرض سيادته الكاملة على أرضه وحمايتها من أشكال الاحتلال المتجددة.