الحو.ثي ما زال يحاول قتـ.ـلي
الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - 01:23 ص
صوت العاصمة/ كتب / أحمد شلبي
مضى الثاني من نوفمبر، اليوم الذي يستذكر فيه العالم الصحفيين الذين دفعوا حياتهم وحريتهم ثمنًا لأداء رسالتهم، ويجدد فيه الدعوات إلى إنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحقهم. أما بالنسبة لي، فلم يمر هذا اليوم دون أن يعيد إلى ذاكرتي سنوات من التهديدات والتشريد، وما تركته من آثار لا تزال ترافقني حتى اليوم.
لم أكن أتخيل أن المهنة التي أحببتها واخترتها عن قناعة ستصبح يومًا سببًا في فقدان الأمان والاستقرار، بعد تعرضي لتهديدات ومحاولات قتل من قبل مليشيات الحوثي، بدأت منذ عام 2022 واستمرت تداعياتها حتى اليوم.
من الصعب أن تقضي حياتك، دون أن تعرف متى ستنتهي هذه المعاناة. والأصعب أن تدرك أن كل ما حدث لك كان بسبب ممارسة مهنة يُفترض أن تكون محمية، لا أن يدفع أصحابها ثمنًا لمجرد أدائهم واجبهم.
وأنا هنا لا أتحدث عن نفسي وحدي، فهناك الكثير من الزملاء الصحفيين في اليمن ممن فقدوا حياتهم، وآخرون أمضوا سنوات في المعتقلات، وغيرهم اضطروا إلى مغادرة منازلهم وبلدهم بحثًا عن الأمان. لكل واحد منهم قصة من المعاناة، وكثير من هذه القصص لم تجد حتى اليوم ما تستحقه من إنصاف وعدالة.
وما يؤلمني أكثر أن كثيرًا من الانتهاكات التي طالت الصحفيين مرت دون محاسبة حقيقية، وأن بعض الضحايا لم يجدوا حتى من يستمع إلى معاناتهم أو يتابع قضاياهم.
وفي الجنوب، تتضاعف معاناة الصحفيين الذين يواجهون تهديدات من مليشيات الحوثي تطال حياتهم وسلامة أسرهم، بينما يشعر كثير منهم بأن قضاياهم لا تحظى بالاهتمام الكافي من المؤسسات الدولية والمنظمات الصحفية والحقوقية.
ومن المؤسف أن يشعر الصحفي الجنوبي بأن مواقفه وآراءه تجاه قضية يؤمن بعدالتها قد تتحول إلى سبب لتجاهل معاناته أو التقليل من حجم الانتهاكات التي يتعرض لها، وكأن حقه في الحماية والإنصاف أصبح مشروطًا بموقفه السياسي أو بما يتبناه من قناعات.
إن هذا التجاهل، حين يحدث، لا يقل قسوة في أثره الإنساني عن سنوات الخوف والتشريد؛ لأنه يترك الصحفي وحيدًا في مواجهة التهديدات، ويضاعف شعوره بأن حياته ومعاناته لا تحظيان بالقيمة ذاتها التي تُمنح لغيره.
ولعل أقسى ما يمكن أن يشعر به الصحفي المهدد أن يكون لسان حال المؤسسات التي يُفترض أن تحميه: إن لم يقتلك الحوثي، قتلناك بالتجاهل.
لا أقول ذلك انتقاصًا من معاناة أي صحفي في اليمن، فحياة الصحفيين وحقوقهم لا تتجزأ، ولا ينبغي أن تكون مواقفهم السياسية أو انتماءاتهم الجغرافية معيارًا للحماية أو التضامن. وإنما أقول ذلك لأن العدالة التي نطالب بها للجميع يجب أن تشمل الجميع، دون استثناء أو تمييز.
ومن هنا، فإنني أدعو الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والمؤسسات المعنية بحرية الصحافة إلى بذل جهود جدية تتجاوز بيانات الإدانة والتضامن، والعمل على محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين، وتوفير الحماية للمهددين، والاهتمام بأوضاع من أجبرتهم التهديدات على النزوح والتشرد، وضمان عدم استبعاد أي صحفي من برامج الحماية والمساندة بسبب آرائه أو مواقفه.
وأخيرًا، إلى زملائي الصحفيين، أقول: واصلوا أداء رسالتكم المهنية، وتمسكوا بحقكم في نقل الحقيقة، ولا تسمحوا للتهديدات بأن تنتزع منكم إيمانكم بما تفعلونه. وفي الوقت نفسه، لا تستهينوا بسلامتكم وسلامة أسرِكم، فليس هناك خبر يستحق أن يخسر الصحفي حياته من أجله.
للقصة بقية ..