من يسرق عدن في وضح النهار؟ الكهرباء لم تتحسّن بمعجزة.. بل لأن النهب توقّف مؤقتاً
السبت - 07 نوفمبر 2026 - 12:35 ص
صوت العاصمة/ بقلم / عبدالرحمن باعباد
في خضم انشغال الرأي العام اليمني بمعركة تعز، وتقدم مليشيات الحوثي نحو الجنوب، حدث في عدن ما لفت أنظار المتابعين: تحسّن نسبي في الخدمات الضرورية، أعاد المدينة إلى شيء من وضعها الطبيعي.
تحسّن لم يأتِ من فراغ، ولم يكن نتيجة خطة حكومية معلنة، بل تزامن ـ كما يلاحظ كثيرون ـ مع حدثين كبيرين: إغلاق الطريق الرابط بين عدن وتعز، وانشغال الأطراف المتصارعة بجبهات الشمال.
فهل كان هذا التزامن صدفة؟ أم أن عدن كانت تدفع ثمن ثقب مفتوح ظلّ ينزف وقودها وكهرباءها وغازها باتجاه الشمال؟
*أولاً: ما الذي حدث في تعز؟*
منذ مطلع أكتوبر الماضي، سيطرت مليشيات الحوثي على مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، ثم تقدمت باتجاه الوازعية والمقاطرة الشمالية، وهي مناطق تقع على تخوم محافظة لحج الجنوبية.
وتحدثت تقارير صحفية عن تسليم مواقع استراتيجية وجبال وقلاع، من بينها قلعة المقاطرة، دون مقاومة تُذكر، وسط اتهامات متكررة لقادة محور طور الباحة بالانسحاب وتسليم المواقع.
وكانت النتيجة الميدانية المباشرة واحدة: انقطاع الشريان الرئيسي بين عدن وتعز.
فبحسب الجزيرة نت، ومنذ سيطرة الحوثيين على التربة، انقطع الطريق الرئيسي بين تعز وعدن، بعدما ظل شريانها الأهم للإمدادات والمسافرين خلال سنوات الحصار.
*ثانياً: ماذا تغيّر في عدن؟*
خلال الفترة نفسها، سجّلت مؤسسة الكهرباء في عدن تحسناً نسبياً في برنامج التشغيل. ففي 3 و4 نوفمبر، تحدثت مصادر المؤسسة عن برنامج تشغيل بلغ 5 ساعات انطفاء مقابل ساعتين تشغيل، بعد أن كانت المدينة قد شهدت في فترات سابقة انقطاعات وصلت إلى 13 و14 ساعة مقابل ساعتين فقط.
وبالتوازي، لوحظ توافر نسبي لمادة الغاز المنزلي في السوق العدني، وتراجع أسعاره في السوق السوداء عما كان عليه قبل إغلاق الطريق.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه الشارع العدني اليوم: لماذا تحسّنت الكهرباء والغاز في عدن بمجرد أن توقف تدفق الشاحنات باتجاه تعز؟
الجواب الذي يتداوله المتابعون ليس صعباً: لأن جزءاً كبيراً من الوقود والغاز المخصص لعدن كان يتسرّب عبر طريق هيجة العبد - التربة إلى مناطق سيطرة الحوثي، سواء عبر التهريب، أو عبر سوء الإدارة، أو عبر شبكات مصالح استفادت من استمرار فتح الطريق بلا رقابة حقيقية.
فعندما تُغلق الطريق، تبقى الكميات المنهوبة من مخصصات عدن داخلها، فتتحسن الخدمة تلقائياً. معادلة بسيطة، لكنها تكشف حجم الخلل الذي كان يعاني منه ملف الخدمات.
*ثالثاً: تعز.. ثقبٌ في جدار الجنوب؟*
لا يمكن فهم أزمة عدن الخدمية دون فهم جغرافيا الطريق.
فطريق عدن - لحج - طور الباحة - هيجة العبد - التربة - تعز، كان لسنوات هو المنفذ الوحيد تقريباً لتعز المحاصرة، ومن خلاله كانت تمر آلاف الأطنان من الغذاء والوقود والغاز القادمة من ميناء عدن. وهو طريق وُصف بأنه شريان حيوي، لكنه في الوقت نفسه تحوّل إلى ثغرة. بل إلى ثقب يمارس بواسطته لوبي شمالي، يحتمي بما يسمى "الشرعية"، استنزاف مقدرات الجنوب.
هذا التناقض يكشف الحقيقة: فبينما كانت تعز تعاني من شحّ الوقود رغم تدفق الشاحنات إليها، كانت عدن تعاني من الشحّ نفسه رغم أنها مصدر الوقود. أي أن المشكلة لم تكن في الكمية، بل في مسارها، وفي من يتحكم بها بين المصدر والمستهلك.
*رابعاً: من يتحكم بكهرباء عدن؟*
لا يمكن الحديث عن تحسن الخدمات دون التوقف عند سؤال السيطرة الإدارية.
فكثير من أبناء عدن يتساءلون: كيف لمدينة تحتضن أكبر عدد من النازحين والعمال والموظفين من أبناء الشمال، وتفتح أبوابها لكل اليمنيين، وتُسيّر منها الرحلات إلى كل أنحاء العالم، أن تُحرم من أبسط حقوقها الخدمية؟
وكيف يمكن أن تظل مؤسسة الكهرباء ومؤسسات الدولة الخدمية في عدن تُدار بعقلية لوبي شمالي لا يرى في عدن إلا ساحة نفوذ، لا مدينة تستحق الخدمة؟
إن تحسن الكهرباء بعد إغلاق الطريق، يثبت ـ على الأقل ـ أن جزءاً من الأزمة كان مفتعلاً أو مُداراً، وأن الحل لم يكن مستحيلاً، بل كان يحتاج إلى قرار واحد: إغلاق منافذ التسرب، ومحاسبة المتسببين، وإعادة توجيه المخصصات إلى مستحقيها الحقيقيين داخل عدن.
*خامساً: العاصمة عدن.. المدينة التي لا تكره أحداً*
من المفارقات المؤلمة أن عدن، التي تُتهم أحياناً بالانغلاق، هي في الواقع أكثر المدن انفتاحاً.
فهي المدينة التي استقبلت النازحين من تعز والحديدة وصنعاء ومأرب والبيضاء، ووفرت لهم السكن والعمل والعلاج والتعليم، دون أن تسألهم عن انتمائهم أو منطقتهم. وهي المدينة التي ما زالت بوابة اليمن إلى العالم عبر مطارها ومينائها.
ومع ذلك، لم تسلم عدن من المؤامرات التي تُحاك ضدها ليل نهار، سواء عبر حرمانها من الخدمات، أو عبر استنزاف مواردها، أو عبر تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى الشمال والجنوب.
إن ما جرى في الأسابيع الأخيرة يجب أن يكون درساً للجميع: عدن عندما تُترك لشأنها، وتُغلق منافذ استنزافها، تستطيع أن تتنفس. وعندما تُفتح أبوابها للتهريب والفساد، تختنق.
*الخلاصة: لا بد من تحقيق لا من صدفة*
إن التحسن النسبي الذي شهدته عدن لا يجب أن يُقرأ كإنجاز نهائي، بل كدليل اتهام.
دليل على أن أزمة الكهرباء والغاز لم تكن قدراً، ولا نقصاً في الموارد فقط، بل كانت ـ في جزء كبير منها ـ نتيجة سوء إدارة وتسرب وتهريب عبر طريق تعز.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الاحتفال بتحسن مؤقت، بل فتح تحقيق شفاف في:
1. أين كانت تذهب كميات الوقود والغاز المخصصة لعدن قبل إغلاق الطريق؟
2. من هي الجهات والشخصيات التي كانت تستفيد من السوق السوداء؟
3. لماذا لم تتحسن الخدمات إلا بعد أن أُغلق الطريق قسراً؟
4. كيف يمكن حماية عدن من تكرار هذا الاستنزاف عند إعادة فتح الطرق؟
عدن لا تطلب المستحيل. تطلب فقط أن تبقى مواردها لها، وأن تُدار مؤسساتها لخدمة أبنائها، وأن لا تكون ضحية لصراعات الآخرين وخياناتهم.
فالمدينة التي فتحت قلبها لأبناء الشمال على حساب أبنائها الجنوبيين، تستحق أن يُفتح لها باب الحياة الكريمة، لا أن تُترك في الظلام والعطش بينما وقودها يُهرّب للشمال عبر الجبال إلى حيث لا يعود.
بقلم / عبدالرحمن باعباد
*#من_يسرق_عدن*