نوفمبر… حين تستيقظ ذاكرة الوطن ويشتعل وجدان الجنوب
السبت - 29 نوفمبر 2025 - 10:47 م
صوت العاصمة/ كتب : ذياب الحسيني
في الذكرى الثامنة والخمسين لعيد الاستقلال الوطني المجيد، يعود نوفمبر ليمنح الجنوب ذلك الوهج الذي لا يخبو، ويوقظ في أعماق الوعي الجمعي صوت الأرض التي لم تنحنِ يومًا، وصدى الراية التي لم تهتز أمام عاصفة، وتلك الإرادة التي كُتبت بدمٍ لا يقبل المساومة ولا يعرف الالتواء. إن نوفمبر ليس تاريخًا نحتفي به، بل روح أمة تتجدد، وميلاد هوية كانت وما زالت أكبر من كل محاولات الطمس والتزييف والانكسار.
في هذه اللحظة التي تتساقط فيها الأقنعة وتتكشف فيها الحقائق، ينهض الجنوب بثبات الجبال، يستعيد سرديته الوطنية الخالصة، ويعيد تدوير ذاكرة نضاله الممتد من فوهات البنادق الأولى إلى خطوط المواجهة الحالية، مرورًا بمحطات رسمت ملامح وطنٍ لا يصنع تاريخه بالصدفة، بل بالوعي والإيمان والعقيدة الثورية التي حملتها الأجيال جيلاً بعد جيل. إن الاستقلال لم يكن هدية، بل كان نتيجة صبر متقد، وتضحيات صامتة، وإصرار على التحرر مهما كان الثمن، ومهما طال الليل.
نوفمبر هو تلك اللحظة التي تتشابك فيها الدماء بالراية، وتتقاطع فيها خطوات الأبطال مع ظلال الشهداء، في مشهد يؤكد أن الجنوب ليس جغرافيا فحسب، بل كيان روحي وسياسي وتاريخي، يتقدم بثقة نحو مصيره المحتوم… مصير الدولة، السيادة، والقرار الجنوبي الحر. إنه الموعد المتجدد لإعادة قراءة الذات، وترتيب الصفوف، وتعزيز يقيننا بأن مشروع الاستقلال الثاني ليس حلمًا عابرًا، بل مسارًا وطنيًا متكامل الأركان، تقوده إرادة شعب، وتحرسه تضحيات رجال، وتصونه عقيدة قوات مسلحة تعرف أين تقف ولماذا تقاتل.
وفي ذكرى نوفمبر، يتقدم الجنوب نحو الغد كما يتقدم المحارب نحو النصر؛ بخطى واثقة، وبقلب لا يعرف التردد، وبذاكرة تحفظ الدروس وتعلن العهد على المضيّ دون انكسار. فهذه المناسبة ليست نهاية معركة ولا بداية أخرى، بل هي جسرٌ يصل الماضي بالحاضر، ويؤسس لوعي جديد يرتقي بالمشروع الجنوبي نحو آفاق الدولة القادمة، الدولة التي وُلدت فكرتها في لحظة وجع، وترسخت في زمن مقاومة، وتتشكل اليوم في ميادين الرجولة على امتداد الجنوب.
إنها الذكرى التي تُعيد ترتيب الوجدان، وتُشعل جذوة الانتماء، وتُكرس حقيقة أن الجنوب لن يكون إلا جنوبًا… مستقلًا، حرًا، سيدًا على أرضه وتاريخه ومستقبله، مهما حاولت العواصف أن تغير اتجاه الريح. نوفمبر ليس ذكرى… إنه قسمٌ يتجدد، ووعيٌ لا ينطفئ، ووطنٌ يكتب سطوره بيد الحقيقة وحدها.