تقارير



الجنوب العربي بين شرعية الإرادة الشعبية وسقوط الوصاية

الجمعة - 02 يناير 2026 - 12:28 ص

الجنوب العربي بين شرعية الإرادة الشعبية وسقوط الوصاية

صوت العاصمة/ تقرير/ مريم بارحمة


الجنوب العربي يقف اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه السياسي المعاصر، في ظل تصاعد قرارات الحرب الصادرة عن دوائر ضيقة، واجتماعات تفتقر إلى النصاب القانوني، وتُعقد بعيداً عن أعين الشعوب، لتعيد إلى الواجهة سؤال الشرعية، وحدود السلطة، ومن يمتلك حق اتخاذ القرار المصيري باسم الناس وعلى حساب دمائهم.
هذه اللحظة ليست معزولة عن السياق العام للأزمة اليمنية، ولا يمكن قراءتها كحدث عابر، بل تمثل امتداداً لمسار طويل من الإقصاء، والوصاية، واستخدام أدوات الدولة لخدمة مشاريع حزبية ضيقة، على حساب الشراكة الوطنية، والاستقرار، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.


-الشرعية السياسية بين النص الدستوري والواقع المشوَّه

الشرعية في جوهرها ليست شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة، ولا صكاً مفتوحاً لتبرير القمع والحرب. الشرعية مفهوم قانوني وسياسي وأخلاقي، يستند إلى التمثيل الحقيقي، والنصاب القانوني، والتوافق الوطني، واحترام إرادة الشعوب. غير أن الواقع يكشف عن فجوة خطيرة بين هذا المفهوم، وبين الممارسات التي تُمارس باسمه.
اجتماعات اتخاذ قرارات الحرب، التي تُعقد في غرف مغلقة، دون نصاب قانوني مكتمل، ودون شفافية، ودون تفويض شعبي، تمثل – وفق كل المعايير – شكلاً من أشكال الديكتاتورية المقنّعة، لا علاقة لها بالشرعية، مهما حاولت الاحتماء بمسميات سياسية أو قانونية فقدت مضمونها.
حين يغيب النصاب، تغيب الشرعية. وحين تُدار شؤون الحرب بمعزل عن الشعوب، تتحول السلطة من أداة إدارة إلى أداة قمع، ومن مظلة جامعة إلى سكين مسلط على خاصرة الوطن.


-شرعية الأرض لا قرار الفنادق

القوات الحكومية الجنوبية المنتشرة في حضرموت والمهرة ليست قوات غزو، ولا تشكيلات طارئة فُرضت بالقوة، كما تحاول بعض الخطابات التحريضية تصويرها. هذه القوات هي أبناء الأرض، خرجت من نسيج المجتمع المحلي، وتحمل شرعيتها من إرادة الناس، لا من قرارات فاشلة صادرة عن فنادق الخارج.
الفرق الجوهري بين القوة الشرعية والقوة المفروضة، يكمن في القبول الشعبي. ففي حين فشلت قوى كثيرة في فرض وجودها بالقوة، نجحت القوات الجنوبية في بناء علاقة ثقة مع المجتمع، أساسها حماية الأمن، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على السلم الأهلي.


-الجنوب العربي ونموذج مكافحة الإرهاب

الأمن والاستقرار في الجنوب العربي لم يكونا نتاج صدفة، بل ثمرة خيار سياسي وأمني واضح. ففي الوقت الذي كانت فيه عواصم الشمال تسقط الواحدة تلو الأخرى بيد المليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية، وقف الجنوب كالسد المنيع في وجه الإرهاب، ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه وقادته.
هذا النموذج الأمني الجنوبي، الذي حافظ على شعلة الاستقرار في محيط يعمه الظلام، كشف حجم الفشل الذي مُنيت به قوى أخرى، وأثار مخاوفها، ليس لأن الجنوب ضعيف، بل لأنه قوي وناجح، وقادر على بناء مؤسسات أمنية وطنية بعقيدة واضحة.


-الفساد كأداة حرب والتحريض كبديل للفشل

الفساد لم يعد مجرد خلل إداري أو سوء إدارة، بل تحوّل إلى سلاح سياسي يُستخدم عند الفشل. فعندما تعجز القوى عن تقديم نموذج ناجح في الحكم، تلجأ إلى التحريض. وعندما تُفضح شبكات الفساد، تُشعل الحروب للهروب إلى الأمام.
هذا التلازم الخطير بين الفساد والتحريض يكشف عن طبيعة الصراع، ويؤكد أن كثيراً من قرارات الحرب ليست دفاعاً عن الدولة، بل دفاعاً عن مصالح ضيقة، وشبكات نهب، تخشى أن تفقد امتيازاتها في ظل أي مشروع وطني حقيقي.


-السيادة الجنوبية ورفض القرارات المفروضة

السيادة ليست مفهوماً نظرياً، بل ممارسة يومية. وأي قرار يمس الجنوب العربي دون توافق داخلي كامل، يُعد قراراً باطلاً سياسياً وقانونياً. الجنوب لم يعد ساحة مستباحة، ولا ورقة مساومة في صراعات الآخرين، بل كيان يمتلك إرادة سياسية، ومشروع دولة، ورؤية واضحة للمستقبل.
التجربة التاريخية منذ حرب 1994 أثبتت أن فرض القرارات بالقوة لا يصنع وحدة، بل ينتج أزمات متجددة. ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الوصاية، ستصطدم بجدار الوعي الجنوبي المتراكم.


-إساءة استعمال سلطة الدولة.. انتحار للوطنية

سلطة الدولة حين تُستخدم لخدمة مشاريع حزبية ضيقة، تتحول من أداة بناء إلى أداة هدم. تحويل المؤسسات الرسمية إلى منصات للتحريض، أو أدوات للقتل، يمثل جريمة وطنية وأخلاقية، لا يمكن تبريرها تحت أي مسمى.
لقد أسهم هذا السلوك في تعميق الانقسام المجتمعي، وضرب أسس الشراكة، وتحويل الدولة من إطار جامع إلى طرف في الصراع، وهو ما أفقد كثيراً من المؤسسات ما تبقى لها من مصداقية.


-الجنوب العربي كخط أحمر تاريخي

الجنوب العربي خط أحمر، جغرافيا وتاريخاً وإنساناً. هذه الحقيقة لم تُكتب بالحبر، بل بالدم. دماء الشهداء منذ 1994 وحتى اليوم رسمت حدود هذا الخط، وأكدت أن محاولة تجاوزه تعني العودة إلى مربع الهزيمة والفشل.
التاريخ يحمل شواهد واضحة على أن إخضاع الجنوب بالقوة لم ينجح يوماً، ولن ينجح مستقبلاً، مهما تغيرت الأدوات أو الشعارات.


-وعي جنوبي جديد ووحدة صف متماسكة

وعي شعب الجنوب اليوم مختلف جذرياً عما كان عليه في مراحل سابقة. التجارب القاسية صنعت إدراكاً عميقاً لطبيعة الصراع، وأنتجت إرادة صلبة، وقوات أمنية وعسكرية أكثر احترافاً وتنظيماً.
محاولات إشعال حرب أهلية، أو شق الصف الجنوبي، ستتحطم على صخرة وحدة الموقف، لأن الجنوب تعلم من دروس الماضي، ويدرك أن الانقسام هو أخطر الأسلحة التي استخدمت ضده.


-رسالة الجنوب إلى المجتمع الدولي

رسالة الجنوب إلى العالم واضحة وصريحة: الجنوب اختار السلام، لكنه لا يتخلى عن حقه في الدفاع عن وجوده. ليس طامحاً إلى الحرب، ولا ساعياً إلى التصعيد، لكنه يرفض الخضوع لأمراء الحرب، ولفتاوى الدم، ولمشاريع الفوضى.
المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار أخلاقي حقيقي: إما حماية المدنيين، ووقف التحريض، أو الصمت على جريمة تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم. الصمت لم يعد حياداً، بل تواطؤاً.


-التحريض الديني والأيديولوجي كجريمة منظمة

التحريض الديني يمثل أخبث أدوات الحرب، لأنه يستهدف الإنسان في هويته، ويحوّله إلى شخص قابل للقتل. استخدام المنابر والفتاوى لتبرير استهداف الجنوبيين يكشف عن آلية شيطانية يجب فضحها دولياً، ومحاسبة القائمين عليها.
هذه الممارسات لا تهدد الجنوب وحده، بل تهدد السلم الإقليمي والدولي، لأنها تفتح الباب أمام التطرف والعنف المنفلت.

-سحب الشرعية السياسية تصحيح للتاريخ

سحب الشرعية السياسية من قتلة الجنوبيين ليس انتقاماً، بل خطوة ضرورية لتصحيح المسار التاريخي. لا يمكن للجلاد أن يكون شريكاً في الحكم، ولا يمكن لمن استدعى القصف على شعبه أن يدّعي تمثيله.
مستقبل الجنوب سيبنيه أبناؤه، بإرادتهم الحرة، وبمشروع دولة واضحة المعالم، لا غزاة ولا أوصياء.


-الذاكرة الجنوبية والعدالة المؤجلة

الذاكرة الجنوبية لا تنسى. أسماء المحرّضين، ومصدري الفتاوى، وصنّاع الحروب، محفوظة في وعي شعب الجنوب والعالم. العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط، وكلمة شعب الجنوب ستكون الفصل في نهاية المطاف.


-مشروع دولة ومستقبل مفتوح

المستقبل في الجنوب العربي لم يعد رهينة للتهديدات. الطموح لا يحده إلا السماء، والإرادة لا يكسرها الابتزاز أو الوعيد. الطريق واضح، والمصير بيد أبناء الجنوب، نحو دولة جنوب عربي حرة، مستقرة، قائمة على الشراكة، والعدالة، وسيادة القانون.



الأكثر زيارة


وساطات دولية نجحت في إقناع الرياض  بالتراجع عسكرياً في حضرمو.

الخميس/01/يناير/2026 - 02:57 ص

كشفت مصادر دبلوماسية وسياسية مطلعة عن تحولات دراماتيكية في الملف اليمني، مشيرة إلى أن المملكة العربية السعودية بدأت تراجعاً ملحوظاً في استراتيجيتها ال


عاجل : بيان صادر عن القوات المسلحة الجنوبية.

الخميس/01/يناير/2026 - 12:46 ص

يا أبناء شعبنا في الداخل والخارج اننا وإذ ننفي ما يروج له الإعلام المعادي من اشاعات زائفة لنؤكد ثبات قواتكم المسلحة على كافة مسرح "عملية المستقبل الوا


إنجازات شرطة عدن لعام 2025 – واقع أمني مستقر تدعمه أرقام ونت.

الخميس/01/يناير/2026 - 01:15 ص

عام 2025 لم يكن عامًا عابرًا في سجل الأمن بالعاصمة عدن، بل حمل معه تحولًا نوعيًا في مستوى الاستقرار وترسيخ حضور الدولة وهيبتها الأمنية. وبرغم التحديات


إعادة تموضع استراتيجي… القوات الحكومية الجنوبية تعلن إشراك (.

الخميس/01/يناير/2026 - 03:36 ص

أعلنت القوات المسلحة الجنوبية الحكومية في مستهل عام 2026 عن تدشين مرحلة ميدانية جديدة وحاسمة ضمن مسرح عملياتها في محافظات شرق الجنوب، حيث حمل البيان ا