حضرموت بين القـ.ـصف والفوضى: قراءة حقوقية في مسؤولية السعودية وصمت المجتمع الدولي
الإثنين - 05 يناير 2026 - 01:19 ص
صوت العاصمة/ كتب/ فضل صالح
تشهد محافظة حضرموت، منذ التصعيد العسكري الأخير، حالةً أمنية مضطربة تكاد تختصر مأساة اليمن كلها في مشهد واحد: قرار يُتخذ من الأعلى، وضربة تُنفّذ من السماء، ثم تُترك الأرض لما تجود به الفوضى. فمنذ أن أعلنت المملكة العربية السعودية، عبر بيانات رسمية وخطاب إعلامي صريح، استهداف قوات حكومية جنوبية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، لم تعد الأسئلة تدور حول تضارب الروايات، بل حول النتائج. النتائج التي ظهرت سريعًا في صورة انفلات أمني واسع، تُرجم نهبًا، وتقطعات، وجرائم قتل، وانهيارًا مقلقًا لمنظومة الأمن، وكأن المحافظة وُضعت فجأة خارج حسابات الحماية والضبط.
هذا المقال لا يسعى إلى خطاب تعبوي، ولا يتكئ على لغة الاتهام المباشر، بقدر ما يحاول قراءة ما جرى بميزان القانون والسياسة معًا. فإعلان استهداف قوة محلية فاعلة، بصرف النظر عن المبررات المعلنة، مثّل لحظة كسر لتوازن هش كان قائمًا في حضرموت. ومن منظور قانوني بحت، فإن أي طرف يباشر عملًا عسكريًا يتحمل، بالضرورة، مسؤولية ما يليه، لا ما يسبقه فقط. إذ لا يكفي القصف بحد ذاته، بل يُفترض أن ترافقه رؤية واضحة لكيفية منع الفراغ الأمني، وحماية المدنيين من الارتدادات المتوقعة.
لكن ما حدث لاحقًا بدا أقرب إلى انسحاب الفكرة وبقاء السلاح. فقد أعقب القصف دخول قوات قادمة من مأرب إلى حضرموت، في خطوة وُصفت محليًا بأنها زادت المشهد تعقيدًا بدل أن تحتويه. حضرموت، بتاريخها الاجتماعي وتركيبتها القبلية الحساسة، لم تكن يومًا أرضًا محايدة تجاه عسكرة الجغرافيا، ولا مستقبِلة مرحِّبة بقوى وافدة تُدار من خارج سياقها المحلي. ومع هذا التدفق العسكري، تآكل ما تبقى من ثقة، وتفككت نقاط السيطرة، وغابت سلطة إنفاذ القانون، وهي شروط تعرفها الأدبيات الأمنية جيدًا بوصفها البيئة المثلى لعودة الجماعات المتطرفة.
وليس خافيًا أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لطالما استثمر مثل هذه اللحظات. فمع انهيار منظومة الضبط بعد القصف، عادت مؤشرات التحرك غير المنظم للتنظيم، مترافقة مع نشاط إجرامي واسع شمل نهب الممتلكات العامة والخاصة، وتقطعات مسلحة، وعمليات قتل خارج إطار القانون. وفي المقابل، وجد الحوثيون في هذا الانفلات مادةً جاهزة لتعزيز خطابهم السياسي والعسكري القائم على فشل خصومهم في إدارة المناطق التي يصفونها بـ«المحررة». وهنا يفرض السؤال نفسه، بسخرية مرة: إذا كان الهدف المعلن هو الاستقرار، فلماذا جاءت النتيجة بهذا القدر من الفوضى؟
وفي قلب هذا المشهد، يبرز عامل لا يقل أهمية، هو انسحاب القوات الإماراتية التي كانت، خلال سنوات سابقة، تضطلع بدور رئيسي في مكافحة الإرهاب، لا سيما تنظيم القاعدة، في أجزاء واسعة من الجنوب ومحيط حضرموت. ذلك الانسحاب، الذي جاء في سياق إعادة تموضع سياسي وعسكري، ترك فجوة واضحة في ملف مكافحة الإرهاب، فجوة لم تُسد بخطة بديلة متماسكة. وبدل أن تُدار المرحلة بقدر من التنسيق والشفافية، وُجهت للإمارات اتهامات سياسية وإعلامية من قبل السعودية، وكذلك من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، حمّلتها مسؤولية إضعاف الجبهات أو تعقيد المشهد الأمني. وبين اتهامٍ وآخر، بدا الإرهاب وكأنه المستفيد الصامت؛ انسحب تحت الضغط حينًا، ثم عاد يتسلل في الظل حين انشغلت الأطراف بتبادل اللوم.
من زاوية القانون الدولي الإنساني، فإن الجهة التي تباشر عملًا عسكريًا تتحمل واجب اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين، ليس فقط أثناء الضربة، بل أيضًا في مرحلة ما بعدها. كما تتحمل مسؤولية منع الانهيار الأمني المتوقع إذا كان هذا الانهيار نتيجة مباشرة للفعل العسكري. وعليه، فإن القصف، مقرونًا بغياب إدارة مدنية وأمنية لاحقة، يفتح باب المساءلة السياسية والأخلاقية، إن لم يكن القانونية، خاصة إذا ثبت أن الانتهاكات التي لحقت بالمدنيين كانت نتيجة مباشرة للفراغ الذي أعقب التدخل.
ورغم جسامة ما يجري، يظل الصمت الدولي لافتًا. فلا بيانات إدانة واضحة، ولا تحركات أممية عاجلة، ولا لجان تحقيق مستقلة، مقارنة بملفات أخرى أقل أثرًا على حياة المدنيين. صمت يثير تساؤلًا مشروعًا حول ازدواجية المعايير، وحول ما إذا كان المدني اليمني قد أصبح خارج حسابات القانون الدولي حين يكون الطرف المتورط حليفًا إقليميًا مؤثرًا.
ما يحدث في حضرموت اليوم ليس حادثًا أمنيًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لقرارات سياسية وعسكرية غير محسوبة العواقب. قرارات أعلنت القوة، ثم تركت الأرض بلا إدارة، والناس بلا حماية. ويبقى السؤال الأخلاقي والسياسي معًا معلقًا في الهواء، كغبار المعارك: من سيحاسب على الدم المنتهك، والأمن المنهار، وحضرموت التي تُترك مرة أخرى رهينة للصراعات، فيما يتبادل اللاعبون الكبار البيانات؟