عام الحسم في اليمن: إمّا إعادة بناء وإما تفكك شامل
الإثنين - 05 يناير 2026 - 03:40 م
صوت العاصمة/وكالات:
عام 2026 لن يذكر مستقبلا كرقم جديد في تقويم الحرب اليمنية الطويلة، بل سيُنظر إليه باعتباره “عام الحسم” الذي حدد مصير اليمن؛ إما بإعادة بناء الدولة عبر عملية سياسية شاملة، أو السقوط في هاوية التفكك النهائي، خاصة مع تشابك الانقسامات الداخلية وتقلبات الإرادات الإقليمية وتصاعد هواجس المجتمع الدولي، في مشهد يتجاوز حدود الأزمة الإنسانية المزمنة ليغدو ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، واختبارًا لمنظومة الأمن الإقليمي والدولي.
تراجع نفوذ جماعة الحوثي يُشكّل أحد أبرز المتغيرات الجيوسياسية التي تُغذي توقعات "عام الحسم" هذا. فبعد سنوات من الصراع والتمدد العسكري والسياسي، بدأت تظهر على الجسد الحوثي علامات إعياء عميقة. لم تعد القدرات العسكرية للجماعة تحتفظ بزخمها السابق، حيث استنزفتها سنوات المواجهة المباشرة مع التحالف العربي، ومواجهاتها الداخلية مع خصوم محليين، وتحديات الحفاظ على أراضٍ شاسعة تصعب إدارتها في ظل حصار اقتصادي خانق. تُضاف إلى ذلك أزمة السيولة المالية الحادة التي تُعاني منها الجماعة، مما يقيد حركتها وقدرتها على تلبية المتطلبات الاقتصادية للمناطق الواقعة تحت سيطرتها، وهي متطلبات تزداد إلحاحًا مع تفاقم المعاناة الإنسانية.
الأكثر تأثيرا هو تصدع الواجهة الداخلية، حيث تتصاعد حدة الانقسامات بين التيارات والأجنحة داخل الجماعة نفسها، بين من يرى المستقبل في مزيد من التصلب والتصعيد الخارجي، ومن يدرك ضرورة البحث عن مخرج سياسي يحفظ مكاسب السنوات الماضية. هذا الوهن المتزايد لا يعني زوال التهديد الحوثي، ولكنه يُغيّر طبيعته من قوة توسعية قادرة على تحقيق انتصارات ميدانية، إلى قوة دفاعية تركز على الحفاظ على مكتسباتها وتبحث عن ورقة تفاوضية قوية.
على الطرف الآخر، لا تبدو الحكومة “الشرعية” في وضع أفضل. لقد تحولت إلى كيان رمزي يفتقر إلى الفاعلية الحقيقية. وانتقل مركز الثقل والقرار الفعلي من المؤسسات الرسمية المفترضة إلى قوى فصائلية متنافسة، تحكم سيطرتها على الأرض وتتحكم في الموارد. هذا التفكك للسلطة المركزية أدى إلى شلل كامل في قدرة الحكومة على ممارسة أبسط مهام الدولة، أو حتى تقديم نموذج جاذب قادر على منافسة نموذج الحوثيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها الاسمية. باتت “الشرعية” تعاني من أزمة مصداقية في نظر قطاعات واسعة من اليمنيين الذين لا يرون أنها قادرة على إنهاء الحرب أو تحقيق الأمن وتقديم الخدمات. هذا الفراغ يخلق بيئة خصبة لاستمرار حالة الفوضى، ويجعل من فكرة “إعادة بناء الدولة” مهمة شبه مستحيلة في ظل غياب قطب موحد قادر على حمل الراية وتوحيد الجهود تحت مظلته.
تراجع نفوذ الحوثي يُشكّل أحد أبرز المتغيرات الجيوسياسية التي تُغذي توقعات “عام الحسم”، فبعد سنوات من الصراع والتمدد العسكري والسياسي بدأت تظهر على الجسد الحوثي علامات إعياء عميقة
تصعيد هجمات الحوثيين على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب نقل الأزمة اليمنية، قسرًا، من تصنيف النزاعات الإقليمية المأساوية إلى قائمة التهديدات المباشرة للأمن الاقتصادي والعسكري العالمي. لم تعد المسألة تتعلق فقط بصراع على السلطة، بل باتت مرتبطة بأمن إمدادات الطاقة، والتجارة العالمية، واستقرار الأسعار في أسواق أوروبا وآسيا. هذا التحول جعل من اليمن قضية شائكة على طاولات القرار في واشنطن ولندن وبروكسل، ودفع لتشكيل تحالفات بحرية وعمليات عسكرية مباشرة لمواجهة التهديد. غير أن هذا الاهتمام الدولي يحمل في طياته مخاطر جمة؛ فهو يركز بالضرورة على حماية الممرات البحرية ووقف الهجمات الصاروخية والمسيّرة، بينما قد يُهمش الجوهر السياسي للأزمة والمعاناة الإنسانية للشعب اليمني. وقد يؤدي إلى تدويل الصراع بشكل أعمق، وتحويل اليمن إلى ساحة منافسة مباشرة بين القوى الكبرى، مما يعقد أي أفق للحل السياسي الذي يجب أن يكون يمني المنشأ.
وسط هذه التحولات يبقى البُعد الإنساني هو الثابت الأشد إلحاحا. التقارير الدولية لا تترك مجالا للوهم، فعام 2026 سيحافظ، وفق كل التقديرات، على وضع اليمن كإحدى أكثر بؤر الصراع دموية في العالم. والأرقام المتوقعة تتحدث عن سقوط أكثر من 1300 قتيل نتيجة المعارك المستمرة. هذه الخسائر البشرية تأتي فوق ركام اقتصاد منهار، وبنية تحتية مهترئة، وخدمات صحية وتعليمية شبه منعدمة. فالشعب اليمني، الذي تحمل ويلات الحرب لأكثر من عقد، يصل إلى حافة اليأس، وقد يتحول غضبه المكبوت من جميع الأطراف المتقاتلة إلى قوة دفع لا يمكن التنبؤ بعواقبها، ربما عبر احتجاجات شعبية عارمة أو انفجارات أمنية محلية تعيد رسم التحالفات على الأرض.
في مثل هذا الوضع، تتقلص السيناريوهات إلى احتمالين رئيسيين يتنازعان مصير البلاد. السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً والأكثر صعوبة في التحقيق، إعادة تأسيس الدولة عبر توافق سياسي شامل. وهذا يفترض نجاح المساعي في جمع الفصائل اليمنية على طاولة واحدة، ليس فقط لوقف إطلاق النار، بل للاتفاق على رؤية مشتركة لطبيعة الدولة المقبلة، ونظام الحكم، وآليات تقاسم السلطة والموارد، وإجراءات نزع السلاح ودمج المقاتلين. ويتطلب دعمًا ماليا وسياسيا وإعادة إعمار هائل من المجتمع الدولي، وإرادة حقيقية من النخب اليمنية لتقديم مصلحة البلاد على المصالح الحزبية والمناطقية الضيقة.
أما السيناريو الثاني، الأكثر قتامة، فهو استمرار حالة التفكك والانهيار. في هذا المسار، يستمر اليمن كساحة صراع مفتوحة، لا تُدار من عاصمة واحدة، بل من عواصم متعددة، وفصائل تتحالف وتتقاتل وفق حسابات آنية، يتحول معها البلد إلى كانتونات منفصلة، يحكمها أمراء حرب محليون، تتدخل فيها قوى خارجية بشكل مباشر لضمان مصالحها. هذا السيناريو لا يعني نهاية الحرب، بل تحولها إلى حروب متفرقة منخفضة الحدة، واستمرار تهديد الممرات البحرية، وانتشار الإرهاب، وتعمق المأساة الإنسانية إلى مستويات أشد بؤسا مما هي عليه اليوم.