بين تراجع قدرات الحو.ثيين وهشاشة “الشرعية”.. ما سيناريوهات اليمن في 2026؟
الجمعة - 09 يناير 2026 - 12:47 ص
صوت العاصمة/ إرم نيوز نقلا عن رويترز :
مع انحسار زخم المواجهات العسكرية وتضاؤل فرص السلام الشامل، يقف اليمن على أعتاب العام 2026 محكوماً بمعادلة أكثر تعقيداً، تتجاوز الصراع المفتوح مع ميليشيات الحوثي، إلى أزمة عميقة متصلة التصدعات البينية داخل معسكر الشرعية اليمنية.
ورغم الصورة المتماسكة التي تحرص الميليشيات على تصديرها، تكشف المؤشرات الميدانية والاقتصادية عن حالة إنهاك بنيوي متراكم تعيشها الجماعة، بفعل سنوات الاستنزاف العسكري والأمني وتزايد الضغوط الدولية الناجمة عن تهديداتها للملاحة البحرية خلال العامين الماضيين.
انكفاء وإخفاق
وأسهمت الضربات الأمريكية والإسرائيلية النوعية في إضعاف جزء من قدرات الجماعة العسكرية وكتلة مقاتليها الصلبة، فضلاً عن قيودها المفروضة على شبكات إمدادها وتسليحها؛ ما قلّص هامش المناورة العسكرية، دون أن يدفعها حتى الآن إلى حافة الانهيار.
في المقابل، يبدو واضحاً ميل الحوثيين إلى الانكفاء الدفاعي، والتحول من منطق التمدد والهجوم إلى استراتيجية التحصّن والبقاء، عبر توسيع جهود إنشاء وتحديث شبكات الأنفاق والكهوف، والتموضع داخل التجمعات السكانية، في انتقال لافت من خطاب “الهجوم الأيديولوجي” إلى معادلة “البقاء القسري”، التي تُدار فيها المعركة بأقل كلفة ممكنة، وبأدوات ردع غير تقليدية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تواجه الجماعة أزمة خانقة عمّقت هشاشة سيطرتها، في ظل تراجع مواردها المالية وعائداتها الجمركية والضريبية، وسط تشديد القيود الأمريكية وانكماش السوق المحلية بفعل الفقر الواسع وانهيار القدرة الشرائية.
وقد أسهم هذا الواقع في انتاج حالة احتقان اجتماعي صامت، لكن الحوثيين لا يزالون قادرين على ضبطه عبر قبضتهم الأمنية الصارمة، التي باتت أكثر كلفة وأقل استدامة.
ومع هذا الضعف التراكمي، أخفقت الشرعية اليمنية في استثماره وتحويلة إلى مكاسب استراتيجية؛ إذ انشغلت بإدارة صراعاتها البينية، ومحاولة إعادة تفكيك مراكز القوة داخل بنيتها العسكرية والسياسية؛ ما يبقي المشهد اليمني عالقا في منطقة رمادية: لا حرب فاصلة تُنهي الصراع، ولا سلام شامل يعالج جذوره.
مؤخراً، عكست قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الانفرادية تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي هشاشة التوافق داخل معسكر الشرعية، وأعادت تسليط الضوء على تضارب الرؤي والأهداف بين مكونات المجلس الرئاسي، خاصة فيما يتعلق بطبيعة الصراع مع الحوثيين وحدود التسوية الممكنة، ليؤدي ذلك إلى إضعاف قدرتها على إنتاج موقف سياسي موحد أو استراتيجية متماسكة.
إدارة الضعف المتبادل
ويرى المحلل السياسي والعسكري، العقيد محسن الخضر، أن اليمن يتجه خلال العام 2026 إلى مرحلة إدارة الضعف المتبادل، أكثر من كونه مقبلا على حسم عسكري أو تسوية سياسية شاملة، في ظل افتقاد الطرفين للقدرة الفعلية على فرض وقائع استراتيجية كبرى، “وبالتالي سيبقى الصراع يدور في حلقة مفرغة، عنوانها: الجمود المسلّح”.
وتوقع الخضر أن يواصل الحوثيون خلال العام الجديد سياسة “ضبط الصراع” بدل تفجيره، مع التركيز على حماية مراكز النفوذ لا توسيعها، في ظل التراجع الذي يعيشونه، إلى جانب قدرتهم على تعطيل أي مسار سياسي لا يضمن بقاءهم كقوة مسلحة ومهيمنة.
وأضاف أن الشرعية تعيش أزمة مختلفة، لكنها لا تقل خطورة، متمثلة في غياب القرار الموحد وتعدد مراكز النفوذ وتراجع الثقة. وأكد أن استمرارها في إدارة الصراع بالأدوات نفسها سيُبقيها في موقع الدفاع، عاجزة عن استعادة زمام المبادرة، خصوصا في ظل اعتمادها المفرط على التهدئة دون بناء استراتيجية متكاملة للحسم أو السلام.
وتوقع الخضر أن يكون “اللاحسم” أبرز سيناريوهات العام 2026؛ ما يبقي الصراع تحت سقف الانفجار الكبير، مع تهدئة قابلة للاهتزاز في أي لحظة، ومسار سياسي هشّ لا يمتلك ضمانات النجاح.
وحذر من أن هذا السيناريو – وإن بدى أقل كلفة على المدى القصير – إلا أنه يُراكم عوامل الانفجار المؤجل، ويطيل أمد الأزمة، ما لم تقدم الأطراف المحلية الدعم الإقليمي والدولي الجاد، على إعادة تعريف الصراع والانتقال من إدارته إلى معالجته جذريا.
آمال ومخاوف
ومع تصاعد التوترات وصولاً إلى حدّ المواجهة العسكرية، كشف عضو مجلس القيادة الرئاسي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي عن إعلان دستوري والدخول في مرحلة انتقالية لمدة عامين، يتلوها استفتاء شعبي ينظم ممارسة حق تقرير المصير لشعب الجنوب، وتوجيه دعوة للمجتمع الدولي إلى رعاية حوار مباشر بين الأطراف المعنية جنوباً وشمالاً.
وواجه رئيس مجلس القيادة، رشاد العليمي هذه التحركات بإسقاط عضوية الزبيدي من المجلس الرئاسي، وإحالته إلى النائب العام بتهمة “الخيانة العظمى”، في خطوة تصعيدية غير مسبوقة.
في هذا السياق، يقول وزير الخارجية اليمنية الأسبق، خالد اليماني، إن حملات التشويه والتحريض ضد الجنوبيين واتهامهم بالخروج عن الإجماع الوطني وإسقاط أولوية المعركة ضد الحوثي، تأتي في وقت يعلم فيه الجميع، سراً وعلناً، أن حرب تحرير صنعاء ليست على جدول أعمال أي طرف، وأن ترتيبات السلام مع الحوثيين تمت وصارت أقرب كثيرا من أي حسم عسكري.
وأضاف أن القوى الشمالية وعلى رأسها جماعة “الإخوان المسلمون”، ترى في الإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي الجنوبي تهديداً وجودياً لموقعها في ترتيبات ما بعد السلام، خصوصاً أنها باتت خارج الجغرافيا، تعيش في الشتات، بينما ستكون القوى المهيمنة في أي تسوية شمالية هي قوى الأمر الواقع الحوثية، وهو ما يفسر ردة فعلها الغاضبة ضد الجنوبيين.
وأشار اليماني إلى أن ترتيبات الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده قريباً، إذا لم تفضِ إلى خارطة طريق زمنية واضحة لتقرير مصير الجنوب، وتنتهِ باستفتاء شعبي، فإنها ستعيد إنتاج المعادلة القديمة ذاتها، والمتمثلة في “وعود براقة بحلول مؤجلة، مشروطة بتسوية سياسية محتملة مع الحوثيين في مستقبل غير معلوم”.
وأكد أن إعادة تدوير السرديات المكرورة، ستقود الدولة إلى مزيد من الانهيار وتحوّلها إلى بؤرة تهديد للاستقرار الإقليمي، وبيئة خصبة لكل أشكال الإرهاب والفوضى “التي تغذيها الشبكات الإخوانية”.