سراب الوساطة في غرف الوصاية: عندما تُصاغ الأوطان بمداد المصالح لا بإرادة الشعوب
الجمعة - 09 يناير 2026 - 12:53 ص
صوت العاصمة/ بقلم : وليد يحيى بن يحيى ناشر
تنسج الأقدار في جنوب اليمن فصولاً من الصبر الممزوج بعزة النفس، حيث تقف الأرض شاهدةً على تطلعات شعبٍ يرفض أن تُصاغ هويته في غرفٍ مغلقة خلف الحدود، فالحوار حين لا ينبت من طين الأرض التي سُقيت بدماء أبنائها يظلُّ غريباً، باهت الملامح، ومنزوع الروح، إن البحث عن السلام في أروقة المدن البعيدة التي يلفُّها صخب المصالح الإقليمية يجعل من قضية الإنسان اليمني مجرد ورقة في ملفات الدبلوماسية الباردة، بينما الحقيقة تصرخ بأن الجرح لا يداويه إلا من ذاق ألم النزيف، والقرار الذي لا يولد تحت سماء الوطن يظل محكوماً بقيود المكان وظلاله التي تفرضها موازين القوى لا عدالة المطالب.
إن المنطق السياسي السليم، وقبله الوجدان الإنساني الحي، يدرك تمام الإدراك أن الخصم لا يمكن أن يرتدي مسوح القضاة، ولا يمكن لليد التي كانت جزءاً من صخب المدافع وأزيز الطائرات أن تمسك ميزان العدل بحيادٍ تام، فالمملكة العربية السعودية، بما لها وما عليها في هذا الصراع، قد انخرطت في تفاصيله حتى النخاع، وأصبحت طرفاً أصيلاً تتشابك مصالحه مع مسارات الحرب والسلم، وهذا التموضع يجعل من دورها كـ "وسيط محايد" ضرباً من الخيال السياسي، إذ لا يمكن لبيئة الحوار أن تكون صحية حين يدرك المتحاورون أنهم ضيوفٌ في دارِ طرفٍ لديه قائمة طويلة من الرغبات والمشاريع التي يسعى لفرضها تحت ستار التوافق الأخوي، مما يجعل الطاولة تتحول من مساحة للحل إلى منصة للإملاء وتكريس التبعية.
ولأن القانون الدولي في جوهره يبتغي حماية إرادة الشعوب من سطوة القوي على الضعيف، فإنه يضع شروطاً صارمة لشرعية المكان الذي يُصان فيه الحق، حيث يفترض في "المكان المحايد" أن يكون فضاءً يتمتع بالحصانة القانونية والسياسية الكاملة بعيداً عن نفوذ أي طرف مباشر في النزاع، فالقواعد المنظمة للأعراف الدبلوماسية تؤكد أن اختيار مقر التفاوض يجب أن يضمن للمتحاورين مساواةً قانونية وفعلية لا يكسرها ظل المضيف، ولا تحجبها مصالحه الجيوسياسية، إذ أن أي حوار يجري تحت ولاية قانونية أو عسكرية لطرفٍ فاعل في الصراع يفقد قيمته الاعتبارية من الناحية الأخلاقية، ويتحول إلى إجراءات تفتقر لروح التوافق الحر، وهو ما يفرض بالضرورة البحث عن جغرافيا سياسية لم تتلوث بحسابات الميدان ولم تشترك في لغة الرصاص.
وفي ظل هذا الاحتياج لمنصات سلام حقيقية، تبرز عواصم عالمية عُرفت تاريخياً بوقوفها على مسافة واحدة من الجميع، حيث تشكل مدن مثل جنيف في سويسرا، أو أوسلو في النرويج، أو فيينا في النمسا، نماذج للمكان الذي تتوفر فيه ضمانات "الحياد الإيجابي"، فهذه الدول لا تملك طموحات توسعية في التراب اليمني، ولا تشكل جزءاً من التحالفات العسكرية المباشرة، مما يمنح المتحاورين حرية الحركة والقول بعيداً عن سياط "الإكراه الناعم"، كما أن رعاية منظمات دولية مستقلة في كنف هذه العواصم تعطي الاتفاقات صبغة الشرعية الدولية التي تحميها من نكث الوعود، وتضمن ألا تتحول النتائج إلى مجرد صدى لرغبات الجوار المأزوم بصراعات النفوذ والسيطرة.
تتجلى الخطورة في تلك الجلسات التي تُعقد في كواليس القرار الإقليمي، حيث يُساق الفرقاء إلى نتائج مُعدة سلفاً، لتخرج البيانات الختامية وكأنها صبغة للمصلحة الخارجية لا نبضاً لقلب الشارع في عدن أو صنعاء، إن هذا الأسلوب في إدارة الأزمات لا ينتج حلولاً مستدامة، بل يزرع بذور شقاقٍ جديد، ويحوّل القادة والممثلين إلى مجرد موقعين على صكوكٍ تمنح الجار القوي مزيداً من النفوذ على المقدرات، وتفتح شهيته للتحكم في الإرادة الوطنية، والعبث بمستقبل الأجيال تحت ذريعة الاستقرار، في حين أن الاستقرار الحقيقي لا يأتي إلا حين تُرفع اليد الثقيلة عن القرار الوطني السيادي وتتحرر الطاولة من وصاية المموّل والمحارب، وتنتقل الحوارات إلى آفاق رحبة لا يُمارس فيها الضغط ولا تُفرض فيها التبعية المطلقة.
إن ما يحتاجه الجنوب واليمن بأسره اليوم هو فضاءٌ حر يتنفس فيه الفرقاء بعيداً عن ضغوط الإقامة الجبرية للدبلوماسية الموجهة، فالحوار الذي يطمح لبناء دولة وتأمين مستقبل يجب أن يتخلص من إرث الوصاية ومن رغبة الجوار في تحويل الجغرافيا اليمنية إلى حديقة خلفية لنفوذه، فالشعوب التي تبحث عن كرامتها لا ترهن قرارها في حقائب الدبلوماسيين العابرين، والوطن الذي يستحق الحياة هو ذلك الذي تُكتب وثيقة استقلاله واستقراره بحبرٍ محلي خالص، في أماكن تحترم إرادة الإنسان وتؤمن أن السلام لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالتراضي والعدالة والمساواة المطلقة بين الجالسين حول مائدة المستقبل اليمني المنشود.
هذا والله من وراء القصد