ناموس العودة إلى الأصل: في معنى الاستقلال بصفته حقا لا حلا
الثلاثاء - 13 يناير 2026 - 01:25 ص
صوت العاصمة / بقلم / حافظ الشجيفي
ما يزال التاريخ في جوهره صراع حقائق لا صراع أوهام، وما تفتأ الأيام تبرهن أن الحق الذي يتسربل بالصبر ويمتشق الإرادة لا يمكن أن يستحيل يوما إلى مجرد مسألة أو مشكلة تبحث عن حل في دهاليز السياسة المظلمة، إذ كيف يكون الوطن مشكلة وهو الوجود بذاته، وكيف يغدو الجنوب قضية للمساومة وهو الذي صاغته التضحيات في قالب من النور والدم، والذي ينظر إلى خارطة الحق يدرك أن ما يسمى بمشكلة الجنوب ليس إلا محاولة بائسة للي عنق الحقيقة التاريخية والمنطقية والقانونية، فالجنوب في حقيقته وجوهره ليس مأزقا يحتاج إلى مخارج بل هو حق سليب يطلب العودة إلى نصابه الطبيعي، وهي عودة تمليها ضرورة الوجود قبل أن تمليها نصوص المواثيق الدولية أو تفاهمات الغرف المغلقة، فالسيادة التي أعلنها علي سالم البيض حين اعلن فك الارتباط في عام الف وتسعمئة واربعة وتسعين لم تكن صرخة في واد سحيق بل كانت استردادا لروح الدولة التي حاول المحتلون وأدها تحت مسميات واهية، ومنذ تلك اللحظة صار الاستقلال هو المركز والمدار، ولم يعد هناك ما يسمى حلا للجنوب إلا في عودته دولة مستقلة ذات سيادة كما كان قبل عام تسعين، وما دون ذلك ليس إلا تزويرا لإرادة شعب وافتئاتا على دماء الشهداء الذين سطروا ببطولاتهم أنصع صفحات المجد في مواجهة الغزوات المتتالية والاحتلالات الغاشمة التي لم تزد هذا الشعب إلا رسوخا في أرضه وإيمانا بحقه.
وإن القلب ليتفطر أسا حين يرى كيف كانت يد الشعب الجنوبي هي العليا قبل أسابيع معدودات، وكيف بسطت القوات المسلحة الجنوبية سيادتها الظافرة على كامل الجغرافيا الوطنية بفضل من الله ثم ببأس رجال لم يعرفوا لغير الحق خضوعا، فكانت قاب قوسين أو أدنى من إعلان فجر الخلاص الناجز، لولا أن تدخل الطيران الجوي السعودي ليقف حائلا بين الشعب ومراده، وليئد في لحظة فارقة ذلك الحلم العظيم الذي كاد أن يلامس كبد السماء، فالتدخل العسكري الذي استهدف القوات الجنوبية لم يكن مجرد فعل ميداني بل كان ضربة لروح الاستقلال التي تجسدت واقعا على الأرض، وهو تدخل يضع ألف علامة استفهام أمام دعوات الحوار التي تنطلق اليوم، فكيف يستقيم العدل حين يمنع صاحب الأرض من حقه بقوة الجو، وكيف يفسر المنطق السياسي هذا الالتفاف على إرادة شعب أثبت بالدم والاصرار أنه سيد أرضه لولا هذا التدخل الذي أربك المشهد وأخر قطاف الثمار التي نضجت بعرق النضال الطويل.
وإن المرء ليعجب حين يرى محاولات الالتفاف على هذه الحقيقة الصارمة تحت ستار مؤتمرات الحوار ، فما الذي عساه أن يناقشه حوار جنوبي جنوبي ترعاه قوى خارجية إن لم يكن الاستقلال هو المبتدأ والخبر، وما الجدوى من الجلوس على طاولات مستديرة إذا كان الهدف يبتعد عن جوهر الاستحقاق الشعبي، فالمنطق السياسي الذي لا يستند إلى إرادة الشعوب هو منطق أعرج، والقانون الدولي الذي يغفل عن تضحيات عقدين من الزمان هو قانون أعمى، فإذا لم يكن الحق ثابتا بقوة شريعة المتعاقدين التي انتهكتها قوى الشمال، فهو ثابت بمداد الدم الذي سفك في الساحات، وثابت بصمود الجماهير في اعتصاماتها المليونية التي هزت أركان الظلم، بل هو ثابت قبل ذلك وبعده بقوة السلاح ومنطق الغلبة الذي فرضه المقاتل الجنوبي على أرضه قبل التدخل الخارجي، فالحق الذي لا تحميه القوة يظل صوتا مخنوقا، والجنوب اليوم يمتلك الحق والقوة معا، مما يجعل الحديث عن أي بديل للاستقلال الكامل مجرد عبث سياسي يخدم المحتل ويطيل أمد المعاناة، فكل حل لا يفضي إلى فك الاستقلال التام هو في حقيقته قيد جديد يوضع في معصم الجنوبيين لصالح من استباحوا أرضهم ونهبوا مقدراتهم.
ثم إن هذه الحوارات التي تطل برأسها في آفاق السياسة تطرح تساؤلات مشروعة ومريرة حول مواقف المكونات والاطراف والشخصيات الجنوبية المشاركة ، فكيف يزعم هؤلاء تمثيل الإرادة الجنوبية وهم الذين صمتوا صمت القبور عما تعرض له الجيش الجنوبي والمجلس الانتقالي من ضربات في حضرموت والمهرة، وكيف يستقيم ادعاء الوطنية مع التغاضي عن محاولات استهداف القيادة الجنوبية المتمثلة في رئيس المجلس الانتقالي القائد الأعلى للقوات المسلحة، فالصمت عن إدانة من يعتدي على حماة الديار وممثلي القضية ليس إلا ريبة في الولاء وشكا في المقصد، فالحوار لا يكون حقيقيا إلا إذا قام على المكاشفة والمصارحة، ولا يكون جنوبيا إلا إذا استمد شرعيته من الانحياز الكامل للأرض والإنسان، لا للمصالح التي تمليها القوى الخارجية، فالشعب الذي لم ينكسر أمام آلة الحرب الشمالية لن يقبل أن يصادر قراره في مزادات السياسة، وهو يعلم يقينا أن الاستقلال ليس منحة تطلب بل هو قدر يصنع، وأن عودة الجنوب إلى مكانه الطبيعي هي الحتمية التي لا تقبل القسمة على اثنين، فإما دولة كاملة السيادة تحفظ الكرامة وتصون التضحيات، وإما نضال مستمر لا ينتهي حتى تشرق شمس الحرية فوق كل ذرة تراب من عدن إلى المهرة.